جامعة كربلاء 
كلية التربية للعلوم الإنسانية 
قسم اللغة العربية 






أثرُ المصاحبة المفهومية في اتساق النص القرآني وانسجامه   


  



                                                    اعداد الطالبة : زينب كريم عبود 
                                                     قسم اللغة العربية 
                                                           دكتوراه لغة 


أثر المصاحبة المفهومية في اتساق النص القرآني وانسجامه 
مفهوم المصاحبة 
تعدُّ المصاحبةُ مظهرًا من مظاهرِ التماسكِ اللغويِّ ، ويعدُّ اللغويُّ البريطانيُّ (فيرث) أوّلَ مَن استعمل هذا المصطلحَ 1957م ، إذ  وضعَ فيرث ما سمّاه (اختيار الواقعية أو الرصيفة) ، أي تبديلُ المفرداتِ المعجميّةِ في السياقاتِ اللغويّةِ المختلفةِ( 1)، فهيَ تقومُ بتقريبِ المعنى عندَما يكونُ لبعضِ المفرداتِ أكثرُ من معنًى ، فهي بموقفِها هذا تقومُ بما يحتاجُه فهمُ النصِّ من قرائنَ عقليّةٍ ومقاليّةٍ وحاليّة (2)
 
: المصاحبةُ المفهوميّةُ : وتتضمّنُ نوعينِ مِنَ المصاحبةِ بحسبِ موقعِ (المفسّر) وهما
1 – المصاحبةُ القبليّةُ :
 ومِنَ المصاحبةِ القبليّةِ قولُه تعالى :  
 ”   مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ” 3، فقد كان ( الفوز)  غير واضح الماهية، الا اننا بربط   السابقِ باللاحقِ استطعنا أن نعرفَ أنّ الفوزَ المقصودَ هنا هو (صرف العذاب عنه) ، فاتّسقَ النصُّ وتواشجت أغصانُه ، وممّا زادَ في ترابطِ أجزائه واتّساقِها وجودُ نوعينِ مِنَ الإحالةِ في النصِّ عن طريقِ اسمِ الإشارةِ (ذلك) والضمير (هو)(4).
ومنه قوله تعالى : ” أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ ” (5)، فإنّ ماهيّةَ (أولئك) غير مدركة  ، ولكنّنا بربطِه بما سبقَ في قوله تعالى :” الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ” (6) ،  فقد فسّرَ السابقُ ما جاءَ مُجملًا في اللاحقِ ، فانسجمَ النصُّ معنويًّا من خلالِ اتّساقِه دلاليًّا مستعملًا أداةً مِن أدواتِ الإحالةِ وهي الربطُ بالاسمِ الموصول (7) 



ومما ورد بهذا السياق قوله تعالى :” ٖوَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ” (8)  
، فالسائلُ بصددِ إنكارِ قدرةِ اللهِ سبحانَه وتعالى على إحياءِ الأمواتِ وقيامِ الساعةِ ، فجاءَ الردُّ عليهم مِن قبلِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) بتوجيهٍ مِن اللهِ سبحانَه وتعالى ، فأخبرَ بإتيانِها وتأكيدُ ذلكَ مِن خلالِ اليمينِ( 9) ، فالزمخشريُّ ذكرَ أنّ المسألةَ لا تثبتُ باليمينِ ، وإنّما ذكرَ الدليلَ وهو قولُه :((ليجزيَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ)) وبينَ المسيءِ والمحسنِ في دارِ الدنيا وما هو جزاؤهما( 10)
 أمّا الرازيُّ فالدليلُ عندَه ((عالمُ الغيبِ لا يعزبُ عنه مثقالُ ذرةٍ)) فهو عالمٌ بالأشياءِ جميعًا ، وأجزائهما لغايةِ أصغرِ جزءٍ مِنها فهو قادرٌ على جمعِها (11) 
وهذا ما أخبرَ عنه الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) حينَ أخبرَ بأنّ الإنسانَ له جسمٌ وروحٌ والأجسامُ متكوّنةٌ مِن أجزاءَ مِن الأرضِ وأروحٍ في السماءِ(12 )، (( فقولُه (لا يعزبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في السمواتِ) إشارةٌ إلى علمِه بالأرواحِ ، وأمّا قولُه (ولا في الأرضِ) إشارةٌ إلى علمِه بالأجسامِ ))(13 ) .
 وتُسمّى هذه المصاحبةُ مصاحبةً قبليّة ، لأنّ (المفسّر) قد جاءَ أولًا ثُمَّ تعقّبَه ما يُصاحبُه ، ممّا يجعلُه في خانةِ التصاحبِ الأفقيِّ ، الذي يستدعي ترافقَ الألفاظِ المتصاحبةِ في سياقٍ واحدٍ ولا يفصلُ بعضَها عن بعضٍ مادّةٌ لغويّةٌ واسعةٌ ، ممّا يؤدّي إلى تحصيلِ المعنى المرادِ ، وبالتالي  يؤدّي إلى اتّساقِ النصِّ القرآنيِّ لترابطِ أجزائه عن طريقِ علاقةِ التفسير
وممّا يُشكّلُ ترابطًا نصيًّا واتّساقًا لفظيًّا بأن يكونَ السابقُ يُفسّرُ اللاحقَ ما جاءَ في قولِه تعالى :” فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ  ” (14) ، فالمتلقّي يبقى مفتّشًا عمّا اعرضوا حتّى عوقبوا بسببِ اعراضِهم ، حتّى إذا تأمّلنا الآيةَ السابقةَ لها وجدناها تتحدّثُ عن نِعمِ اللهِ على سبأ بأن جعلَ لهم جنّتينِ عن يمينٍ وشمالٍ ، وأمرَهم أن يشكروا لله هذه النعمَ ؛ بأن جعلَ بلدتَهم طيّبةً ، لكنّهم لم يشكروا ، فعدَّ هذا إعراضًا عن أمرِ اللهِ فعوقِبوا ولم تَعُد بلدتُهم طيّبةً ، وخرّبت جنّاتُهم ، ومِن ثَمَّ علمنا أنّ الإعراضَ كانَ على سلوكٍ لم يفعلوه وهو الشكرُ(15)


ومِن الإحالةِ القبليّةِ أيضًا قولُه تعالى :” مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ” (16)
، فقد سُبقَ هذا اللفظُ العامُّ بما يُفسّرُه ، إذ أحالَ باسمِ الإشارةِ على شيءٍ سابقٍ مُفسّرٌ اللاحقَ، وهو قولُه تعالى :” قل يجمع بيننا ربنا ” (17) ،  فكانَ (الوعدُ) الّذي يتسألونَ عنه هو الجمعُ بينَ الفرقاءِ يومَ القيامة( 18)
 
2 – المصاحبةُ البعديّةُ : وهي الإحالةُ التي يأتي المحالُ عليه متأخّرًا فيكونُ مفسِّرًا لِما كانَ عموميًّا في السابقِ( 19) ، شكّلت المصاحبةُ البعديّةُ ركنًا أساسيًّا مِن أركانِ الاتّساقِ لعددٍ مِن الآياتِ  ، فكانت عاملَ ربطٍ بينَ أجزاءِ النصِّ ، ممّا أسهمَ في تماسكِه
 
ومِن مظاهرِ هذه المصاحبةِ ما جاءَ في ذكرِ أهلِ الكهفِ اذ قال تعالى : ” أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ” (  20)   
، ثُمَّ ليأتي بعدَ ذلكَ موضّحًا ركنَي القصّةِ (أصحاب الكهف) و (الرقيم) ، فسرعانَ ما احلنا 
على قوله تعالى :” إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ” (21) ، ثم ليقول بعدها :” إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ” (22) ، اما الرقيم فسنجد مايحيل عليه ويربطه بما سبق ، وهو قوله تعالى : ” فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ” ( 23) ، وقال تعالى : ” قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ” (24) ، فكانت الاحالات المتأخرة في الأيات ( 10و13و21) مفسرة لما جاء مجملا في الاية ( 9) المتقدمة 0
ومن الاحالات البعدية أيضا قوله تعالى : ” وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد” (25) ، فقد كانت (يا جبال )وما بعدها محيلا عليه يوضح الفضل الذي اؤتي داود ، فكان النص متسقا شكلا متلائما معنى (26) 
ومنها أيضا الايات التي جاء فيها ذكر ذي القرنين ، اذ قال تعالى : ” إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ” (27) ، ثم ليحيل بعد ذلك الى الايتين اللاحقتين ليفك ماوجد من اشكال في اباحة التعذيب او اتخاذ الحسن ، فقال بعده : “قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ” (28) ، وقال تعالى :” وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ” (29) ، فكانت المصاحبة عاملا من عوامل اتساق الشكل وانسجام الدلالة ، ودافعة لما قد يعترض النص من إشكالات 
الهومش
1-ينظر: علم الدلالة ، احمد مختار عمر : 75
2-ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها : تمام حسان ،217
3-سورة الانعام :16
4- ينظر : الكشاف : ۲ / ۳۲۹ 
سورة الأنعام : ۷۰ 5-
6-سورة الانعام :70
7-ينظر : الكشاف : ٢ / 361
سورة سبأ : ٣ 8-
9-ينظر : تفسير الصافي : ٤ / ۲۱۰ ، وكنز الدقائق ، القمي : ١٠ / ٤٨٣ ، وتفسير القرآن الكريم ، عبد الله شبر : ٥۰۱ ، والأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : ناصر مكارم الشيرازي : 10\510 :
10-ينظر:: الكشاف : ٥ / ١٠٦ ،  107
11-ينظر : مفاتيح الغيب : ٢٥ / ٢٤٢
ينظر : مفاتيح الغيب : ٢٥ / ٢٤٢ ، وينظر : البحر المحيط : ٧ / ٢٤٩ 12-
13-مفاتيح الغيب : ٢٥ / 242 
14-سورة سبأ : ١٦ 
15-ينظر : مفاتيح الغيب : ٢٥ / 253
16-سورة سبأ : ۲۹
17- سورة سبأ : ٢٦
18-ينظر : مفاتيح الغيب : ٢٥ / ٢٥٩
19- ينظر : لسانيات النص ۱۸۰ ، نحو النص : ۱۱۷
20-سورة الكهف : 9
21-سورة الكهف : ١0
22-سورة الكهف :13
23-سورة الكهف : 21
24-سورة الكهف :  21
.25-سورة سبا : 10
26-ينظر : الكشاف : 5\110
27-سورة الكهف : 86
28-سورة الكهف : 87
29-سورة الكهف :88
 
.
 
.


عدد المشاهدات: 53