افع الفعل المضارع.
أجمع النحويون على أنَّ الفعل المضارع يكون مرفوعًا إذا لم يتقدّمْهُ ناصبٌ أو جازم، ولم تلحقْهُ نونَا التوكيد، ولا نون النُّسوةِ()، واختلفوا  في عامل رفعه أهو عاملٌ معنويّ أم عامل لفظيّ، فكانوا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب سيبويه إلى أن العامل في رفع الفعل المضارع هو عامل معنوي، وهو وقوعه موقع الاسم، وذلك قوله: ((باب وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، اعلم أنَّها إذا كانت في موضع اسمٍ مبتدإٍ، أو موضع اسمٍ بُني على مبتدإ، أو في موضع اسمٍ مرفوع غير مبتدإ، ولا مبني على مبتدإ، أو في موضع اسمٍ مجرور أو منصوب، فإنها مرتفعة، وكينونتُها في هذه المواضع ألزمتْها الرفعَ، وهي سبب دخول الرفع فيها. وعِلّتُه: أنَّ ما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء كما أنَّ ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمُها لا يعمل في الأسماء. وكينونتُها في موضع الأسماء ترفعها كما يرفع الاسم كينونته مبتدأً))() ، وتابعه على ذلك أغلب البصريين().
واستدلوا على صحة قولهم من وجهين، أحدهما: إنَّ وُقُوعَهُ موقع الاسم يكون
بالمعنى لا بِاللَفظ، فلهذا أشبه الابتداء، والابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه، والآخر: إنَّ قيامه مقام الاسم قد وقع في أقوى أحوال الاسم، وهو الرفع؛ فلمّا كان كذلك لزم أن يعطى أقوى حالات الإعراب، وهي الرفع؛ لذلك كان مرفوعًا؛ لقيامه مقام الاسم، ومن المعلوم أنَّ الواقع موقع شيء يستحقُّ حكم ذلك الشيء().
القول الثاني: نُسب إلى الكسائي أن الفعل المضارع يرتفع بعامل لفظيّ، وهو بما فِي أَوله من الزوَائد الأربع، وهي أحرف المضارعة. فهو نسب العمل إلى تلك الأحرف، وحجته في ذلك أنَّ الفعل قبل دخول حرف المضارعة عليه كان مبنيًّا، وبعد دخوله رُفعَ، والرفعُ عملٌ فلَا بدَّ لَه من عامل، وَلم يحدث هذا العمل إلّا الحرف؛ لذا وجبَ أنْ يُضافَ العملُ إِلَيْهِ، فكون أحرف المضارعة هي العاملة أولى من كون العامل فيه عامل معنويّ؛ لأنَّ العامل المعنويّ مخفيّ، واختصّت بعمل الرفع من دون النصب والجزم؛ لضعفها، ولكونها أصبحت كالجزء منه().
القول الثالث: ذهب الفراء، وغيره من حذّاق الكوفيين()، وجماعة من البصريين منهم الأخفشُ إلى أن العامل في رفع الفعل المضارع هو تجرّده من الناصب والجازم، وهو عامل معنويّ()، واختاره ابن مالك، وصححه ابنه ابن الناظم() والعلّة التي جعلتهم يقولون بالتجرّد هي أنّ الفعل المضارع تدخل عليه عوامل النصب، وعوامل الجزم، فإذا دخلت عليه نُصب أو جزم بحسب العامل الداخل عليه، وإذا لم تدخل عليه كان مرفوعًا، وعليه فالتجـرّد من هذه العوامل هو الرافع له، فالتعرّي من العـــــوامل اللفـــــظية
 واستقلاله من دونهَا يـدلُّ على قوَّته؛ لذلك أشبه المبتَدأ().
واحتجّ الكوفيون على من قالَ برفع الفعل المضارع لقيامه مقام الاسم، من ثلاث جهاتٍ، الأولى: إِنَّ الاسم يأتي مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا، فلو كان رفعه؛ لكونه  قائمًا مقام الاسم؛ لوجب أن يعرب بإعرابه في جميع أحواله، وأعني الرفع والنصب والجر، والثانية: إنّ بعض الحروف مختصة بالفعل، فمنها حروف التحضيض، نحو: هلّا يقومُ زيد، وكذلك (قد)، و(السين)، و(سوف)، مثل: سوف يقومُ زيد، فهذا الاختصاص فيه دليل على أن الرافع له ليس وقوعه موقع الاسم، وعليه يلزم أن يكون الرافع له التجرّد من الناصب والجازم، وليس وقوعه موقع الاسم، والثالثة: لا يجوز القول إنَّه مرفوعٌ؛ لوقوعه موقع الاسم؛ لأنه لو كان مرفوعًا لذلك لكان يجب أن ينصب في مثل: كان زيد يقومُ؛ لكونه حلّ محلّ (قائمًا)، وهو منصوبٌ؛ لذا لا يقع الفعل موقع الاسم في هذا الموضع ().
والقول الراجح  هو قول سيبويه، ومَنْ تابعه على ذلك من أن العامل في رفع الفعل المضارع، هو وقوعه موقع الاسم؛ ولذلك لا يرفع بعد النواصب والجوازم؛ لأنه لا يسوغ وقوع الاسم بعدها.
 

شارك هذا الموضوع: