وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة كربلاء / كلية التربية للعلوم الانسانية
قسم الجغرافية التطبيقية / الدكتوراه
التنمية المستدامة والتنمية البشرية
مقالة مقدمة من قبل طالب الدكتوراه
أنور صباح نوري
(2024 ـ 2025)
أولًا: التنمية المستدامة
وردت الكثير من المفاهيم والتعاريف للتنمية المستدامة، فهناك من يعرفها على انها:” التنمية المستدامة هي تنمية تستجيب لحاجات الأجيال الراهنة دون تعرض لخطر قدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها هي الأخرى”، كما عرفت بأنها ” محاولة الحد من التعارض الذي يؤدي الى تدهور البيئة عن طريق إيجاد وسيلة الأحداث تكامل بين البيئة والاقتصاد”. اما اللجنة العالمية للتنمية المستدامة فتعرفها كما يلي: ” هي تلبية حاجات الحاضر دون ان تؤدي الى تدمير قدرة الأجيال المقبلة، لي تلبية احتياجاتها الخاصة. وعليه يمكن القول بأن التنمية المستدامة هي التنمية الحقيقية ذات القدرة على الاستمرار والتواصل من منظور استخدامها للموارد الطبيعية والتي يمكن ان تحدث من خلال استراتيجية تتخذ التوازن البيئي كمحور ضابط لها. ومن بين التعاريف أيضا انها هي “الفكرة التي تقوم على ان المجتمعات الإنسانية من واجبها العيش مع تلبية حاجاتها دون التضحية او المخاطرة بقدرة الأجيال المستقبلية في تلبية حاجاتها”، فهذا التعريف الرسمي للتنمية المستدامة قد انبثق اول مرة في تقرير ( بورتلاند) سنة ،1987 هذا التقرير الذي هو بمثابة الخالصة المقدمة من طرف اللجنة الدولية الأولى لحماية البيئة والتنمية من لدن جمعية الأمم المتحدة، وبالتالي فالتنمية المستدامة مصطلح اممي صادر عن الأمم المتحدة، يهدف الى تطوير موارد الكوكب الطبيعية والبشرية وتجويد التعاطي الاقتصادي والاجتماعي معها، شريطة ان تلبي احتجاجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها الخاصة به.
وهي التي فرضت نفسها مع تفاقم المشاكل البيئية واستغلال الانسان المفرط لعناصر بيئة وما يترتب على ذلك من حرمان الأجيال القادمة ومن الكثير من الموارد الطبيعية او تلوثها وفقدانها لخصائصها والكثير من عناصرها وقد عرفتها الأمم المتحدة بأنها التنمية التي تلبي احتياج الجيل الحالي دون الاضرار بقدرة الأجيال اللاحقة على تلبية احتياجاتها الخاصة
أن التنمية المستدامة بوصفها فلسفة تنموية جديدة قد فتحت المجال أمام وجهات نظرمن خلال عمليات تغير محددة كماً ونوعاً، ومن ثم لابد ان تحقق تقدماً وتحسناً في مستويات معيشة السكان في مكان وزمان محددين، وليس بالضرورة أن تنتج التحسينات نفسها عن عملية النمو الاقتصادي لان عدم وجود نمو اقتصادي في مجتمع مالا يعني بالضرورة عدم وجود تنمية فيه.
وبشكل عام فان التنمية تعني أن نكون منصفين لجيل المستقبل. فهي تهدف إلى أن يترك لجيل الحاضر للأجيال المقبلة رصيدا من الموارد مماثلا للرصيد الذي ورثة أو أفضل منه.
أو بعبارة أخرى (استجابة لحاجات الحاضرة، من دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة على الوفاء بحاجاتها).
ثانيا/ التنمية البشرية المستدامة
يعد مفهوم التنمية البشرية المستدامة من المفاهيم الجديدة، جاء تتويجاً لجهود فكرية ابتدأت عام 1976، حينما كلفت نخبة من الاقتصاديين العالميين بوضع تقرير خاص بإصلاح النظام العالمي، لغرض معالجة أهم القضايا بالنسبة للأجيال الحاضرة والمستقبلية الا وهي: كيفية تجاوز الظلم الفاضح والمستمر الذي يميز العلاقات الدولية القائمة حالياً بين البلدان المتقدمة والعالم الثالث، لغرض تأسيس نظام عالمي جديد يوفر للجميع حقهم الشرعي في حياة كريمة ومريحة.
وقد شاع استخدام هذا المفهوم في الأدبيات التنموية الدولية في أواسط الثمانينيات تحت تأثير الاهتمامات الجديدة بالحفاظ على البيئة خاصة بعد دراسات وتقارير نادي روما
التشاؤمية الشهيرة في السبعينيات بشأن ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية القابلة للنضوب وعلى البيئة والتوازنات الجوهرية في الأنظمة البيئية (Ecosystems) بسبب الأحداث المسيئة للبيئة وازدياد درجات التلوث عالمياً، كذلك فشل السياسات التنموية في البلدان النامية وتفاقم المديونية الخارجية وتوسع هوة الفروقات الاجتماعية بين الدول وحدوث المجاعات لدى الفئات الفقيرة وتردي الإنتاجية في القطاع الصناعي، فكانت هذه الأسباب مدعاة لشيوع هذا المفهوم الجديد
سيظهر بوضوح ان التنمية البشرية المستدامة كمفهوم هي أوسع من مفهوم التنمية البشرية الذي عالجناه في الفقرات السابقة، كون الأول يجمع بين حاضر التنمية البشرية ومستقبلها، فيهتم بالبيئة والسكان والطاقة والتكنولوجيا وجوانب أخرى ليس ضمن وضعها في الوقت الحاضر فقط وإنما ضمن منظور طويل الأجل
لقد وصف تقرير التنمية البشرية لعام 1994، التنمية البشرية المستدامة بأنها (تنمية لا تولد نمواً اقتصادياً فحسب، بل توزع أيضاً فوائده توزيعاً منصفا، تنمية تعيد توليد البيئة بدلا من تدهورها، تنمية تمكن البشر بدلاً من ان تهمشهم، بأنها تنمية تعطي الأولوية للفقراء، وتوسع نطاق خياراتهم وفرصهم، وتتيح الفرصة لمشاركتهم في القرارات التي تؤثر على حياتهم، انها تنمية موالية للناس، وموالية للطبيعة، وموالية لفرص العمل، وموالية للمرأة)
وبتعبير آخر إن (التنمية البشرية المستدامة هي توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال تكوين رأس مال اجتماعي لتلبية حاجات الأجيال الحالية بأفضل طريقة ممكنة من دون الأضرار بحاجات الأجيال اللاحقة. هذا المفهوم يستند الى ان التنمية تبدأ بالناس، وان التنمية لا تحدث الا عندما يكون الناس مسؤولين عن توفير شروطها، وان التنمية هي نتاج أشكال من العمل الجماعي تقوم على الإرادة الطوعية، لا القسر. وفضلا عن ذلك فإن هذا المفهوم يعتمد على واقع هو إن الاهتمامات القطاعية مترابطة، ويجب النظر إليها في سياق الأعمال الإستراتيجية بعيدة المدى وان التنمية لا تكون قابلة للاستدامة إلا إذا تم اعتماد منظور يلحظ العلاقة بين الأجيال المتلاحقة ومن هنا تظهر نقطتان وردت في التعريف هما:
رأس المال الاجتماعي يعرف: (بأنه توليف من الأشكال الطوعية للتنظيم الاجتماعي، التي لا يمكن من دونها المحافظة على رأس المال المادي ورأس المال البشري، ولا استعمالهما استعمالاً مجدياً)
النقطة الثانية هي مسألة الانصاف ما بين الأجيال او العلاقة بين الأجيال المتلاحقة، فالتنمية البشرية المستدامة تعالج الأنصاف داخل الجيل الواحد، والانصاف فيما بين الأجيال، مما يمكن الأجيال الحاضرة والمقبلة من توظيف قدراتها أفضل توظيف
إن أساس هذا الإنصاف هو ان يكون لدينا التزام أخلاقي بأن نفعل من اجل الأجيال اللاحقة ما فعلته الأجيال السالفة لنا من أجلنا، يعني ذلك أن الاستهلاك الحالي لا يمكن تمويله طويلاً بديون اقتصادية، او أن استخدام الموارد يجب ان يكون على نحو لا يسبب ديون ايكولوجية عن طريق الإفراط في استغلال ما يوجد لدى الأرض من طاقة حاملة ومنتجة، كما يعني ان الاستثمار يجب ان يوظف في تعليم البشر وصحتهم حتى لا يتسبب في دين اجتماعي للأجيال المقبلة، لكون الديون المؤجلة أيا كان شكلها هي اقتراض من المستقبل كما انها تسرق من الأجيال المقبلة خياراتها المشروعة وكمحصلة فهي ترهن الاستدامة
وفي نهاية هذا التحليل لا بد من القول ان التنمية البشرية المستدامة تعتمد على ثلاث ركائز أساسية هي:
1- الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.
2- الاعتناء برأس المال البشري، بحيث تتوفر للجميع المهارات والقدرات والصحة والمشاركة في دورة الإنتاج.
3- تطوير رأس المال المجتمعي، أي الإطار التنظيمي للعلاقات المجتمعية على أساس مبادئ حسن الإدارة والمساءلة والإنصاف والمشاركة في اتخاذ القرارات.