عنوان المقالة
(( الجغرافيا تذكرنا أن البشر والبيئة مرتبطان ببعضهم البعض بشكل لا ينفصل ))
(( ريتشارد ماسي ))
إعداد طالبة الدكتوراه
شهد علي عبيس السعيدي
جامعة كربلاء / قسم الجغرافية التطبيقية
مقدمة
تميزت الجغرافية بعلاقتها مع البيئة بكل مفرداتها بما فيها البيئة الاجتماعية التي تعبر عن الوسط الذي ينشأ فيه الفرد الذي يحدد شخصية وسلوكياته واتجاهاته والقيم التي يؤمن بها، وللاهتمام بالبيئة تاريخ موغل في القدم، فمنذ أن وطأت قدم الإنسان أرض البسيطة بدأت اهتماماته بالبيئة المحيطة به على اختلاف اتجاهاتها وأبعادها، لأن هناك تلازماً بين البعد الجغرافي وغريزة الاكتشاف وحسب الفضول لدى الإنسان ومنذ بدأ الخليقة والحس الجغرافي ملازم للإنسان، ففي العصور الحجرية اهتم الإنسان بتدوين رسوماته على جدران الكهوف، فضلاً عن تحديد مناطق الصيد والخطر المحدق به من كل جانب ومكان، ومع تقدم المراحل الزمنية وتطور الحضارة الإنسانية ازداد الاهتمام بالإنسان ببيئته وتوسعت اهتماماته واكتشافاته وأفكاره ومعارفه وأصبحت الرحلات التجارية والعلمية والدينية من أهم وسائل جمع المعلومات عن البلدان والأماكن الأخرى، ولا شك أن وصف البلدان من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية كانت المهمة الرئيسة للجغرافيين العرب آنذاك. وفي كتابات الجغرافيين الإغريق برزت الاهتمامات بأحوال البلاد الاجتماعية التي وصفوها وكتبوا عنها، ومنها ما جاء في كتاب (( الجو والماء والأقاليم )) الذي وصفه هيبوقراط (٤٢٠)ق.م، حيث أشار إلى الاختلافات الجسمانية والجغرافية بين سكان الأقاليم الجبلية الذين يتميزون بالشجاعة وبين سكان السهول الجافة الذين يتصفون بالنحافة وفيهم طبيعة السيادة والإمارة، أما أرسطو فقد أوضح أن هناك نوعاً من الارتباط بين المناخ وبين طبائع الشعوب. وفي كتابات مونتسكيو ( روح القوانين ) الذي أعتبر فيه أن الإنسان كائن فرد تقابله قوتان كبيرتان هما الأرض أو التربة والتربة، ويرى أن التربة الفقيرة تؤدي إلى قيام حكومة شعبية والتربة الخصبة تؤدي إلى قيام حكومة استقراطية .
أولاً / العلاقة بين الجغرافيا (Geography ) وعلم البيئة (Ecology )
نشأ الفكر الجغرافي مع الإنسان منذ إن وجد على سطح الأرض، وذلك بدافع الفضول للتعرف على ما يحيط به من معالم ( جبال، هضاب، غابات، أنهار، وديان و…ألخ ( وما يوجد خلف تلك المعالم وبدافع الفطرة للاستفادة مما حوله من طعام أو شراب وتسخير ذلك لمصلحته والابتعاد عما يؤذيه أو يهدد حياته. ويمكن القول بأن التفكير الجغرافي قديم قدم الإنسانية ذاتها، إذ إن المجهودات الأولى التي قام بها الإنسان من أجل تفهم الظاهرات البيئية المحلية المحيطة به وتفهم مركزه بين هذه الظاهرات يعد المنشأ الأول للجغرافية . وإذا كانت الجغرافية قد تناولت عبر الزمن بالدراسة والتحليل تلك العلاقات دائمة التغير بين الإنسان والطبيعة المحلية المحيطة به، فإن الجغرافية المعاصرة تهتم بعنصرين أساسيين هما الإنسان والبيئة ودراستها من حيث العلاقة كل منهما بالأخر .
إن الجغرافيا باعتبارها وصفاً للأرض ومظاهرها، أو للكون وظواهره على أساس الملاحظة والمشاهدة تعد أقدم العلوم جميعاً إذ أنها قديمة قدم الإنسان، ولا يمكن لعلم ما إن يضرب بجذوره في أعماق الماضي السحيق إلى مدى أبعد مما للجغرافية .
إن العلاقة بين البيئة والجغرافيا قديمة جداً، وقد أخذت الأفكار الجغرافية المتعلقة بالنواحي الايكولوجية ضمن الإطار الجغرافي تتطور تطوراً سريعاً منذ بداية القرن العشرين. ويرى ( هكسلي ) إن الجغرافية هي علم ارتباط الإنسان بالبيئة. وبحسب أراء أخرى فإن الجغرافيا تضم كل ما يتعلق باستخدام الطبيعة بما في ذلك حماية الطبيعة وحماية الوسط المعيشي للإنسان، وتأثير الإنسان في الوسط المحيط .
ان الجغرافيا باعتبارها وصفاً للمكان تؤكد العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والبيئة والتفاعل المتبادل بين الإنسان والبيئة، وهذه المواضيع عالجتها الجغرافية منذ البداية من خلال رصد وتحليل الظاهرات المختلفة الناتجة عن تداخل وتشابك عناصر البيئة وعلاقة الإنسان بها ( البعد الطبيعي والبعد البشري )، كما إن الجغرافية بوصفها علماً مكانياً يتميز بخاصية فريدة تميزه عن بقية العلوم في دراسة البيئة باعتبارها تتصف باختلافات مكانية، وتأثيرات متبادلة بين مختلف مكوناتها وعناصرها . وفي الجغرافية يوجد عدد من الفروع العلمية التي تهتم بالدراسات البيئية وبالتغيرات التي تتعرض لها البيئة والعواقب الناتجة عن ذلك سواء كانت هذه التغيرات طبيعية أم بشرية، فمثلاً الظروف المناخية كالحرارة والرطوبة تحدد إلى درجة كبيرة الملامح الحيوية للبيئة وكذلك بالنسبة لشكل سطح الأرض حيث يكون للارتفاع وشدة الانحدار والاتجاه … الخ، دور مهم في تحديد هذه الملامح من خلال التأثير في خصائص التربة والأمطار والحرارة وغيرها .
ويعرف ( هارلن باروز ) ١٩٢٣ الجغرافية بأنها تهتم ببحث الطرق التي يكيف بها الإنسان نفسه وفعالياته لظروف البيئة الطبيعية وتحليلها، وقد رأى إن الجغرافيا في حقيقتها هي ايكولوجيا بشرية تركز على العلاقة بين الجغرافية الحيوية وعلم البيئة، وكذلك الجغرافي الإنكليزي ( سيمونز ) الذي أهتم في مؤلفاته بالعلاقة بين الإنسان والبيئة والتغيرات التي تطرأ على النظم البيئية بفعل الإنسان. وكان للجغرافي الفرنسي (ماكس سور ) اهتمام كبير بالعلاقة بين الجغرافية والبيئة وتجلى ذلك في كتابه ( الأسس البيولوجية للجغرافية البشرية )، وقد رأى الجغرافية الألماني ( هانس بوبيك ) ان مجال اهتمام الجغرافية يتمثل في منطقة التقاء القشرة الأرضية والغلاف الحيوي والغلاف الغازي عند سطح الأرض، اي الوسط أو البيئة التي يعيش فيها الإنسان .
إن أوجه التشابه والتلاقي بين علم الجغرافية وعلم البيئة كثيرة جداً، وهي أكثر من أوجه الاختلاف، فإذا كان علم البيئة هو ( العلم الذي يدرس العلاقة المتبادلة بين الكائنات وبينها وبين المكان الذي توجد فيه، فإن علم الجغرافية يركز على دراسة العلاقة بين الإنسان والوسط المحيط باعتبار الإنسان أحد الكائنات الحية، وهو أهم عنصر من عناصر البيئة وبه ومن أجله تتم مختلف الدراسات والأبحاث ) .
وتعريفات الجغرافية التي تؤكد هذا التوجه كثيرةالبيئة والإنسان، كما إن هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة والتأثير المتبادل بينهما تعد محور الدراسات الجغرافية. أي ان علمي الجغرافيا والبيئة يلتقيان في أنهما يهتمان بدراسة التفاعل والتبادل بين الإنسان وبيئته وعلاقة كل منهما بالأخر.
ويمكن التأكيد وفق كثير من المعطيات والدلائل إلى أن معظم الجغرافيين متفقون إن المفهوم الحديث للجغرافية يركز على تفاعل الإنسان مع بيئته وأن الكثير من علماء الجغرافيا أكدوا قبل ظهور علم البيئة بأن هدف الجغرافية هو فهم العلاقات المتبادلة بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه. ومفهوم الوسط (الحيز) هو مفهوم مركزي في الجغرافية، وإن عدم الانسجام في العلاقات المتبادلة بين الإنسان والوسط المحيط تعد من أهم الضائعات الجدية البعيدة المدى التي تهدد البشرية. ويظهر مما سبق أن أهداف علم الجغرافية وعلم البيئة متشابهة إلى حد كبير، مع تركيز علم الجغرافية على علاقة الإنسان بالبيئة بوصفه كائناً حياً عاقلاً وأهم عنصر من عناصر البيئة، بينما يهتم علم البيئة بدراسة مختلف الكائنات الحية وعلاقتها بالبيئة. وهذا الأمر لا يقلل من أهمية الجغرافية بل على العكس يقوي من هذه الأهمية ويزيد من مسؤولية الجغرافية لأنها تهتم بالإنسان وهو صاحب عقل وايديولوجيا والتعامل معه يحتاج إلى جدية ودراية وحكمة أكثر مما يحتاجه الأمر مع بقية الكائنات الحية.
ثانياً / الجغرافيا هي علم العلاقات بين الإنسان والبيئة
توجد علاقة بين الإنسان والبيئة، فالبيئة هي كل ما يحيط به الإنسان، وهي الوسط الذي يؤثر فيه الإنسان و يتأثر به، فالإنسان لا يمكنه العيش خارج الوسط البيئي، والوسط البيئي يمكنه البقاء والاستمرار بدون الإنسان.
شاع هذا التعريف بين الجغرافيين الذين تأثروا بعلوم الحياة وكتابات دارون ونظريته في النشوء والارتقاء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على الرغم من أنه لازال شائعاً بين أعداد من الجغرافيين إلى الوقت الحاضر، إلا إنه واجه نقداً ومعارضة من الأوساط الجغرافية العلمية المعاصرة، فأصحاب هذا التعريف قد انجرفوا لا أرادياً إلى صراعات فكرية بين أنصار الحتم الجغرافي وأتباع الفلسفة الإمكانية. وقد أصبح علم الجغرافيا تبعاً لهذا التعريف كذلك أنه أشترط وجود الإنسان في أية دراسة جغرافية وإن لا جغرافية للمناطق غير المعمورة .
إن الجغرافيا عامل مؤثر في حياة الإنسان منذ البداية ظهوره حتى الوقت الحالي، فقد أدت الجغرافيا دوراً مهماً في تحديد الموطن الأصلي للحضارات الإنسانية في أرجاء العالم، إذ إن الحضارات الأصلية نشأت في بيئات مهدت الطريق لوجود تلك الحضارات، ويعود الاهتمام بالبيئة الجغرافية للإنسان إلى بداية تواجده على وجه البسيطة فبدأ باكتشاف المناطق الجغرافية المحيطة به. والتعرف على أحوالها لذلك قيل الإنسان جغرافي بطبعه، ومنذ أقدم العصور والإنسان دائم البحث عن مزايا البيئة الجغرافية لتجنب أخطارها وجلب أكبر ما يمكن من منافعها، وبهذا يمكن القول أن بداية علم الجغرافية اقترنت بوجود الإنسان ونشاطاته على أرض البسيطة.
تعد الجغرافيا جزء من هدف الإنسان لتفهم عناصر البيئة. فالجغرافيا تدرس الإنسان على سطح الأرض، فالأسباب و النتائج في النطاق المكاني وعلاقة الإنسان والظواهر الأخرى في مجاله. وإن الإنسان هو القوة الفعالة في البيئة الطبيعية التي يعيش فيها فهو يتكيف معها وييسرها لخدمة أغراضه .
إن الجغرافية ليست علماً للأرض، ولكنها علم أقاليم سطح الأرض وهي تعني بدراسة العلاقات المتبادلة بين الإنسان والطبيعة وتشمل هذه الدراسة الوصف والتفسيرات التي تأتي عن طريق التحليل والمشاهدة الميدانية .
ثالثاً / البشر والبيئة : علاقة متبادلة
مفهوم التفاعل البيئي بعكس العلاقة المتبادلة بين البشر وبيئاتهم، بالبشر لا يعيشون في فقاعة منفصلة عن محيطهم الطبيعي، بل هم جزء من منظومة بيئية كبيرة حيث تتداخل الطبيعة مع الثقافة والمجتمع. فالأرض توفر للإنسان الموارد التي يحتاجها للبقاء على قيد الحياة. مثل الماء، الهواء، الغذاء، المعادن وفي المقابل يستخدم البشر هذه الموارد بشكل متزايد مما يؤدي إلى تغيرات في النظام البيئي، تلك التغيرات التي يحدثها الإنسان في البيئة تشمل التوسع العمراني، الزراعة، الصناعة، والأنشطة الملوثة مثل التصنيع واستخدام الوقود الاحفوري، وكل هذه الأنشطة تساهم في زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وتدهور النظم البيئية وزيادة معدلات الاحتباس الحراري.
رابعاً / العلاقة المتوازنة مفتاح الاستدامة
يؤكد ريتشارد ماسي أن هذه العلاقة المتبادلة بين البشر والبيئة يجب أن تتم وفقاً لمبدأ التوازن، حيث لا يجب أن يسعى الإنسان إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية على حساب النظام البيئي. فالفهم الجغرافي لهذه العلاقة يعزز من أهمية الحفاظ على البيئة من خلال استراتيجيات التنمية المستدامة، التي تهدف إلى تلبية احتياجات البشر الحالية دون الإضرار بالقدرة على تلبية احتياجات الأجيال القادمة.