نور رياض طعمة علوان 
ماجستير / جغرافية تطبيقية 
الحلول المستدامة لأزمة السكن في العراق
 
أزمة السكن في العراق تُعد واحدة من أبرز التحديات التي تواجه البلاد منذ عقود، وقد تفاقمت بفعل التغيرات السياسية، والنمو السكاني المتسارع، والنزوح الداخلي الناتج عن الحروب والنزاعات، فضلًا عن ضعف السياسات الإسكانية والفساد الإداري. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب على الوحدات السكنية، ما جعل الحصول على سكن ملائم حلمًا صعب المنال بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا ذوي الدخل المحدود. لكن أمام هذه التحديات، بدأت تبرز بعض الحلول المستدامة التي قد تسهم في احتواء الأزمة بشكل جذري، إذا ما تم تبنيها بجدية وبتخطيط بعيد الأمد.
 
أولى هذه الحلول تكمن في اعتماد التخطيط الحضري المستدام، الذي يركز على توزيع الموارد السكنية بعدالة، مع مراعاة البنية التحتية والبيئة الطبيعية والأنشطة الاقتصادية للسكان. فبدلًا من التمدد العشوائي الذي يبتلع الأراضي الزراعية ويثقل كاهل المدن بالخدمات، يمكن تطوير مجمعات سكنية متكاملة خارج مراكز المدن، تتوفر فيها المدارس والمراكز الصحية والمواصلات، مما يقلل من الحاجة إلى التنقل اليومي ويخلق مجتمعات أكثر تماسكًا.
 
ومن الحلول الواعدة أيضًا، هو تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بناء الوحدات السكنية. فالدولة وحدها، في ظل التحديات الاقتصادية، لا تستطيع تحمل عبء إنشاء ملايين الوحدات المطلوبة، لكن من خلال تحفيز المستثمرين المحليين والأجانب، وتوفير التسهيلات القانونية والمالية لهم، يمكن إنشاء مشاريع سكنية كبيرة بأسعار مدروسة، شريطة أن تراعي هذه المشاريع معايير الاستدامة في التصميم والبناء. ومن الجيد أن نرى بعض المبادرات التي بدأت بالفعل في بعض المحافظات، لكنها ما زالت محدودة ولم ترقَ بعد إلى مستوى التأثير الحقيقي.
 
ولا يمكن الحديث عن الحلول دون التطرق إلى تطوير مواد بناء محلية صديقة للبيئة، تساهم في خفض التكاليف وتحافظ على الطاقة. فالعراق بلد غني بموارده الطبيعية، ويمكن أن يلعب دورًا رياديًا في إنتاج مواد البناء المستدامة مثل الطابوق الطيني المعالج، أو استخدام تقنيات العزل الحراري التي تقلل من استهلاك الكهرباء في التبريد، خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.
 
كما أن الاهتمام بالإسكان العمودي هو توجه مهم ينسجم مع مفاهيم الاستدامة، حيث يوفر المساحات، ويقلل من التكاليف المرتبطة بالبنية التحتية، ويمنع التوسع الأفقي العشوائي الذي يستنزف الأراضي. ولعل العاصمة بغداد وبعض المدن الكبرى بدأت تشهد مشاريع عمارات ومجمعات عمودية، لكن ما زال هناك حاجة لتوسيع هذا التوجه إلى باقي المحافظات.
 
ولعل أحد الجوانب المغفلة نسبيًا هو إعادة تأهيل المناطق العشوائية وتحويلها إلى بيئات حضرية ملائمة. فبدلًا من إزالتها بشكل قسري وما يتبعه من آثار اجتماعية واقتصادية، يمكن تطويرها تدريجيًا من خلال تحسين البنية التحتية، وتوفير الخدمات، وتنظيم الملكية، مما يحولها من عبء إلى رصيد عمراني واقتصادي. هذا الحل ليس فقط أكثر إنسانية، بل أكثر استدامة على المدى البعيد.
 
أيضًا، لا بد من إصلاح السياسات والقوانين العقارية، بما يضمن العدالة في توزيع الأراضي، ومنع المضاربات العقارية، وتوفير أراضٍ مخصصة لبناء وحدات سكنية لذوي الدخل المحدود. ويجب أن تكون هناك شفافية في منح الأراضي وإجراءات التمليك، إضافة إلى تسهيل الحصول على القروض العقارية بفوائد مناسبة، خصوصًا للشباب.
 
ولا يمكن نسيان دور التكنولوجيا والتحول الرقمي في معالجة أزمة السكن. من خلال إنشاء قواعد بيانات دقيقة لحاجة السكان، ومتابعة المشاريع الإسكانية، ورقمنة إجراءات التسجيل والتمليك، يمكن تحقيق كفاءة أعلى، وتقليل الفساد، وتسريع عجلة الإنجاز.
 
في نهاية المطاف، فإن الحل الحقيقي لأزمة السكن في العراق لا يكمن في البناء فقط، بل في تبني رؤية شاملة ومتكاملة، تتعامل مع المسكن كحق إنساني، وكجزء من منظومة حضرية متكاملة، تأخذ بالاعتبار الجوانب الاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية. إن الوصول إلى هذا الهدف ليس بالأمر السهل، لكنه ليس مستحيلًا، إذا ما توافرت الإرادة السياسية، والدعم المجتمعي، والتخطيط العلمي القائم على مبادئ الاستدامة.
 
عدد المشاهدات: 78