منتظر احمد جاسم / ماجستير / تاريخ حديث
الخطة الاقتصادية الأولى في كوريا الجنوبية (1961-1966)
 شكلت هذه المرحلة تحولاً في تاريخ كوريا الجنوبية المعاصر ، اذ بدأت مشاريع الحداثة والتحديث بمدة قياسية من حكم الرئيس  (شونغ بارك هي) الذي اصبح رئيساً لجمهورية كوريا الجنوبية بعد استقالت سنغمان ري  وتشكيل حكومة مؤقته لمدة تسعة اشهر لم تأتي بشيء جديد ، مما دفع بارك الرجل العسكري الى تنفيذ انقلاب عسكري الأول في كوريا الجنوبية  ، بتاريخ 16 أيار 1961 بقيادة اللواء بارك، الذي اعلن الاحكام العرفية، واطلق على الحكومة التي قادة بارك (دكتاتورية من أجل النمو).
وكان هذا الانقلاب الاول في تاريخ كوريا الجنوبية المعاصر ، وكان عدد الجنود (72) الفاً ، وأصبحت المؤسسة العسكرية أكثر تنظيماً في جمهورية كوريا ، ودخل القادة العسكريين في المعترك السياسي ، وعملوا على تعطيل المؤسسات التشريعية والادارية ، ووضعوا محلها مجلساً عسكرياً اطلق عليه (المجلس الاعلى لإعادة البناء الوطني) ، وقد بدأت مرحلةً جديدة من التجربة الكورية وهي مرحلة أعلان الجمهورية الثالثة التي بدأت رسمياً في 1961.
      بدأ اقتصاد كوريا الجنوبية بالانتعاش، وحدثت تغيرات كبيرة من خلال التصنيع السريع والنمو الاقتصادي في اوائل الستينيات تحت اشراف الحكومة العسكرية، اذ كان للرئيس بارك افكاراً استطاعت ان ترسم ملامح الاقتصاد لكوريا الجنوبية المستقبلي، والجدير بالذكر ان هذه الافكار كانت ممزوجة ومتأثرة بالأفكار اليابانية.
   حيث اصدرت حكومة بارك مسودة الخطة الخمسية الاولى في 1961 ، اذ قام الخبراء الاقتصاديين بوضع خطة اقتصادية شاملة ، وكانت هذه الخطة نموذجاً اولياً لرأسمالية بارك، واممت جمهورية كوريا القطاع المصرفي والصناعات الاستراتيجية لتحقيق اهدافها التنموية عام 1961، وانشأت مصارف متخصصة مثل (مصرف كوريا للبورصة ، مصرف كوريا التنموي ، مصرف التصدير والاستيراد في كوريا ، مصرف كوريا للأئتمان طويل الاجل).
 
وكانت خطوات توجيه المصارف التجارية من اجل تسهيل عملية منح القروض وبفوائد ذات نسب متدنية ، ولاسيما القروض المتوسطة والطويلة الاجل في القطاع الخاص ، مع التأكيد على ضرورة الاحتفاظ يسعر التبادل الرسمي للعملة الكورية واتباع سياسة مكافأة المصدرين ومعاقبة المستوردين، وحماية الصناعات المحلية بفرض تعريفة جمركية عالية.
وكانت من اهم الشعارات التي يرددها بارك هي :  
    ” المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، ومصلحة الامة تسبق مصلحة الفرد
هذا هو الشعار الذي رفعه الرئيس بارك عندما بدأت مسيرة التنمية الاقتصادية لكوريا الجنوبية عام 1962 الذي كان لقيادة الواعية والمخلصة والطموحة الفضل الاكبر في تحويل كوريا الجنوبية من ثالث افقر دولة في آسيا الى ثالث دولة صناعية بعد اليابان والصين ، وعاشر دولة صناعية على مستوى العالم ، واجمع علماء الاقتصاد على تسميته بـ(المعجزة الاقتصادية الكورية) أو(معجزة نهر الهان).
وتم تصميم هذه الخطة بالتعاون مع حكومة الولايات المتحدة الامريكية ، اذ عملت الحكومة على تشجيع الادخار والاستثمار والتوجه الى تأميم المصانع والوحدات الانتاجية ، لتوجيهها الى انتاج ما تحتاجه الدولة وفقاً لرؤيتها ، اضافة الى تبني سياسة تسعى الى تحفيز الصادرات بهدف توفير العملات الخارجية التي تساعد على تدعيم ميزان المدفوعات ، وتوفير الموارد المالية اللازمة لشراء احتياجات الدولة من الاسلحة والتكنولوجيا اللازمة للإنتاج.
اذ تبنى سياسة مالية محكمة ورفع مستوى الصادرات ، وكان اتساع حجم السلع المصدرة من ابرز المنجزات التي تحققت خلال اعوام الخطة الخمسية الاولى ، اذ قفز حجم الصادرات من 54.8 مليون دولار في عام 1962 الى 250 مليون دولار عام 1966 ، وكانت ابرز صناعات التصدير الكورية من الملابس والاحذية والخشب ، وسعت نحو نمو بعض الصناعات مثل صناعة الاسمنت والطاقة الكهربائية ، وتحقق نمو سريع في صناعة البترول ، والاسمدة والمعدات الكهربائية الصغيرة، وأصبح الدخل القومي في سنة 1962  2.3 بليون دولا ودخل الفرد 87 دولار سنوياً .
ونجحت سياسة احلال الواردات الى حد ما خلال هذه المرحلة (خاصة للسلع غير المعمرة ومستلزماتها من المواد الخام) ، وذلك بسبب توفير العمالة الرخيصة والمواد الخام والسلع الوسطية من مصدر محلي لهذه الصناعات ، وقد اكتملت سياسة التوجه للداخل كمرحلة اولى لسياسة التصنيع ، ووصل السوق المحلي الى درجة الاشباع ، ولكن سياسة احلال الواردات لم تنجح في جعل القطاع الصناعي هو الرائد في الاقتصاد القومي.
وأما الزرعة فقد خصصت الخطة الخمسية الاولى 17.2% من اجمالي رأس المال المخصص للاستثمار لصالح قطاع الزراعة، الا ان النسبة الفعلية من هذه التخصصات لم تتحاوز 11.4% من ذلك، ومع هذا ارتفعت نسبة المنتوجات الزراعية بمقدار يفوق ما حدد في هذه الخطة، وذلك بفضل الظروف المناخية الاستثنائية التي شهدتها هذه المدة.
    ومن الجدير بالذكران النظام الاقتصادي السائد خلال هذه المدة هو خليط من رأسمالية الدولة والمشروع الحر، وتم الاعتماد على الشركات العائلية الكبرى والشركات العامة واتباع سياسات التأميم لتحقيق اهداف الخطة التنموية لـ (بارك)، وبالفعل حقق الاقتصاد نقلة نوعية من مجرد اقتصاد زراعي الى اقتصاد صناعي، ومعدلات تصديره تفوق معدلات استيراده.



عدد المشاهدات: 53