عنوان المقالة
المدارس الجغرافية ( توافقية أم حتم مطلق أم إمكانية مطلقة )
إعداد طالبة الدكتوراه
شهد علي عبيس السعيدي
جامعة كربلاء / قسم الجغرافية التطبيقية


المدارس الجغرافية
لقد شغلت العلاقة بين الإنسان والبيئة أذهان المفكرين والفلاسفة والباحثين على اختلاف مشاريعهم ولمراحل زمنية طويلة، الأمر الذي ولد آراء ونظريات متعددة تأثرت هذه الأراء بالمراحل الزمنية التي عاشها أصحابها، وعلى أثر ذلك ظهرت المدارس الجغرافية ( الحتمية ، الإمكانية،  التوافقية ).
أولاً المدرسة الحتمية ( المدرسة البيئية ) /  Deter Minism School ) )
تعد المدرسة الحتمية من أقدم المدارس التي حاولت أن تحدد العلاقة بين البيئة والإنسان، فتعمقت بوادر هذه الفلسفة في أواخر القرن التاسع عشر على يد فردريك راتزل ( ١٨١٠ – ١٨٩٢ ) والذي أخذ بمبدأ السببية في تحديد العلاقة بين الإنسان وبيئته الطبيعية فهم يعتبرون ان للظروف البيئية الطبيعية الأثر الأكبر في حياة الإنسان وفي نظمه الاقتصادية والحضارية وازدادت وضوحاً على يد أتباعه في مطلع القرن العشرين. وقد خرجت تعاليم راتزل من المانيا لتنتشر في أمريكا على يد سمبل.
 أما علم البيئة فقد وضعه عالم الحياة الألماني أرنست برجس في سنة ١٨٦٦ وعرفه بأنه: العلم الذي يدرس علاقة الكائنات الحية بالوسط الذي تعيش فيه. أما النظام البيئي فيمكن تعريفه عبارة عن وحدة بيئية متكاملة تتكون من كائنات حية ومكونات غير حية متواجدة في مكان معين، يتفاعل بعضها ببعض وفق نظام دقيق ومتوازي في ديناميكية ذاتية لتستمر في أداء دورها في استمرارية الحياة .
تقوم الفكرة البيئية الحتمية على إن الإنسان خاضع للمؤثرات البيئية وبأنه سلبي التأثير في البيئة التي يعيش فيها، وأنها هي التي تحدد نمط حياته وفعالياته المختلفة وأنه نتاج بيئته الطبيعية وتتحكم فيه قوانينها، وإن الحتم يعني تحكم البيئة بالإنسان وسيطرتها عليه. وتشير ( ( Ellen Semple إلى أن الحتمية تؤكد إن البيئة هي كل شيء في حياة الإنسان، وإن التطور البشري والجهد الإنساني لا يخرج عن كونه نوعاً من التفاعل السلبي مع البيئة وخضوعاً لها . كما يقول ديمولين (Demolins ) ( إذا عاد التاريخ إدراجه فلابد أن يسلك نفس السبل التي سلكها من قبل متى اتفقت الظروف الطبيعية، وإن التاريخ لو أعاد نفسه فإن الإنسان سيمر بنفس أطوار التقدم بلا شك ).
ولقد وصفت الفلسفة البيئية الطبيعية بعناصرها المتعددة تكامل متسلط من جهة والإنسان كعامل خاضع من جهة أخرى ورسمت لذلك إطاراً عاماً يتحدد ضمنه النشاط البشري بشكل علاقات جامدة بينهما .
ويظهر الأثر الحتمي في العمران الريفي بشكل واضح من خلال التجمعات القروية حول مصادر المياه في المناطق الجافة وشبه الجافة كما هو الحال في مناطق الواحات الصحراوية في حين يميل السكان للانتشار في المناطق الرطبة أو الممطرة، ويميل السكان للتجمع في المناطق السهلية، وإنشاء أنماط سكنية حضرية للاستفادة من الوفورات الاقتصادية التي يوفرها التجمع البشري و من أهمها الأمن والدفاع المشترك والعلاقات الاقتصادية، في حين يميل سكنة المناطق الوعرة إلى التباعد والتشتت وهو أمر يعود إلى قلة المساحات الصالحة للزراعة. بعبارة أخرى إن النمط السكني ونوعية العمران ماهي إلا انعكاس للعوامل الطبيعية، وقد ساهم العامل البشري بعد تقدم البشرية في إيجاد منافذ ومبررات تجعل من العامل الطبيعي ليس هو المسيطر على الأنماط العمرانية والسكنية .
 
ثانياً / المدرسة الإمكانية   Possibilism School ) )
إن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة متبادلة، وذات تأثير متبادل، وأن لا يوجد حتم بيئي، وإنما توجه بيئي. وترى هذه المدرسة إنه إذا كانت البيئة تؤثر في الإنسان، فإن الإنسان بدوره يؤثر في البيئة، ولكن هذه المدرسة أكدت على أهمية احترام الإنسان لقوانين الطبيعية وعدم التدخل السافر فيها.
جاءت نظرية المدرسة الإمكانية كرد فعل للنظرية الحتمية، وترى أن للإنسان امكانيات يستطيع من خلالها تطويع البيئة الطبيعية لخدمته، وإن الإنسان هو الذي يسيطر على البيئة ويخضعها لمتطلباته ورغباته، ويتم تعديلها وفق مشيئته وإن للبيئة إمكانيات متنوعة يتوقف استغلالها على حرية الاختيار الإنساني وما يتناسب وطموحات الإنسان وقدراته العلمية، فالبيئة لا تحتوي على ضروريات أو حتميات، وإنما على امكانيات واحتمالات يستطيع الإنسان ترويضها لخدمته. 
لقد ظهرت الإمكانية على يد الجغرافي الفرنسي فيدال دي لابلاش ويعتبر رائد هذه المدرسة فقد أعترف بقوة الابتكار لدى الإنسان وتأثيره بها في بيئته الطبيعية، وقال : ( أن عند الإنسان عنده من القدرة ما يمكنه أن يشكل نفسه تبعاً للظروف الطبيعية، بل ويشكل ويغير من نفس البيئة التي يعيش فيها ) كما أعترف بوجود التأثير المتبادل بين الإنسان والبيئة الطبيعية ، كان يرى أن البيئة ليست مظهراً أرضياً طبيعياً بل مظهر أرضي انساني حضاري، وهذا المظهر الجغرافي هو في الواقع موضوع علم الجغرافيا، وأفصحت بعض الآراء عن هذا المفهوم من أن البيئة الطبيعية ليست أكثر من مرشد للإنسان وأنه ليس في البيئة شيء مطلق أو نهائي أو حتمي أو ضروري بالنسبة للإنسان باستثناء القوانين العامة والشروط الأساسية التي تحدد الضوابط والحدود التي يمكن له أن يعيش داخلها وأن يقوم بنشاطه فيها. وتتضح فلسفة هذه المدرسة أكثر مع التقدم العلمي أي كلما ازدادت البشرية تقدماً كلما برزت معالم هذه النظرية والأمثلة على ذلك كثيرة إذ استطاع الإنسان أن يتغلب على بعض عناصر المناخ من خلال أجهزة التكييف كما أنه استطاع أن يستصلح المناطق ذات التربة الفقيرة، فضلاً عن قيامه بإنتاج المحاصيل الصيفية شتاءاً وبالعكس من خلال البيوت الزجاجية أو الزراعة المحمية . 
إن تأثير الإنسان في البيئة الطبيعية ليس موزعاً بدرجات متساوية على سطح الأرض ونستطيع أن نميز ثلاثة أنماط بيئية هي :
  1. بيئات لا يؤثر فيها الإنسان بدرجة واضحة وهي تشمل المناطق القطبية وشبه القطبية والصحاري والجبال وبعض مناطق الغابات المدارية المطيرة، وهي المناطق التي تقل فيها كثافة السكان عن (١) نسمة / كم٢ ويقل فيها النشاط البشري .
  2. بيئات يؤثر فيها الإنسان جزئياً .
  3. بيئات درجة تأثير الإنسان فيها عالية .
وإذا كانت أغلب مناطق العالم قد تأثرت بالإنسان بدرجات متفاوتة فأن ذلك يعود على درجة كثافة الاستغلال البشري للبيئة الطبيعية من جهة وعلى مدى استجابة الظاهرات الطبيعية للمؤثرات البشرية من جهة أخرى. 
ثالثاً / المدرسة التوافقية Probabilism School ) )
لم تعترف هذه المدرسة بآراء المدارس السابقة، فقالت لا حتم مطلق ولا إمكانية مطلقة، فجاءت آراء هذه المدرسة على يد (Gciffith Toylor  ) الذي حاول التوفيق بين الحتمية والامكانية، ويرى بأن الإنسان لا يستطيع تغيير البيئة تغييراً جوهرياً كاملاُ ، بل إن فعله لا يتعدى كونه تعديلاً أو تحسيناً بما يخدم مصلحته وإن البيئة أشبه بشرطي المرور، فاستغلال البيئة لا يكون إلا من خلال مساعدة البيئة وليس من الضروري أن يكتب النجاح لذلك الجهد، فالإنسان يختار ويفكر بجد والبيئة تعطي و تستجيب. لا شك أن التطور العلمي والتكنولوجي ساهم بشكل كبير في إبراز النظرية الإمكانية ووضوح معالمها على الرغم من أن أصحاب هذه النظرية ذهبوا بعيداً، فالبيئة تبقى محدودة رئيسة للبشر لكن هذا لا يعني الاستسلام لها، فقد حاول الإنسان ومنذ القدم أن يروض ويطوع المؤثرات البيئية لخدمته وأصبح الآن أكثر قدرة على ذلك من السابق بفعل التقدم البشري في جميع المجالات، وكلما كانت الدولة أكثر تقدماً كلما أتسعت مجالات الإمكانية في حين تبرز المدرسة الحتمية بوضوح في الدول المتخلفة .
وإن للبيئة اليد الطولى في بعض التأثيرات التي يقف الإنسان مستسلماً ازاءها أو تكون تأثيراته محدودة لاسيما فيما يتعلق بالكوارث الطبيعية كالزلازل مثلاً أو قلة الموارد الاقتصادية أو انعدام الساحل البحري وغير ذلك كثيراً، فضلاً عن التأثيرات الاجتماعية للبيئة وتأثيراتها في سلوك الإنسان واتجاهاته وميوله وعلاقاته الاجتماعية.
ولا تؤمن التوافقية بالإمكانية المطلقة أو الحتم المطلق بل ترى بأن الاحتمالات قائمة في بعض البيئات لكي يتعاظم الجانب الطبيعي في مواجهة سلبيات الإنسان وقدراته المحدودة ، وفي بيئات أخرى يتفاقم دور الإنسان في مواجهة التحديات على اختلاف أنواعها مكانية، وهذا يتوقف على المستوى العلمي الثقافي والحضاري للإنسان، وعلى توعية البيئة وشدتها وامكانيتها ومواردها وسهولة التعامل معها، فهناك بيئات يصعب على الإنسان تطويعها أو إن تطويعها يتطلب تقنية وامكانية عالية جداً في حين تمتاز بيئات أخرى بسهولة التعامل معها وسهولة تسييرها لخدمة الأهداف الإنسانية وقد صاغ الباحث الإنكليزي أرنولد توينبي (Arnold Toynpe ) أربعة استجابات للعلاقة بين الإنسان والبيئة هي : 
  • الاستجابة السلبية / وهي الاستجابة الأولى للإنسان في بيئته القديمة حيث حرفتي الجمع والالتقاط والصيد، فالإنسان آنذاك كان عبداً للبيئة الطبيعية تسيره حيثما تشاء ولم يكن يمتلك ما يستطيع من خلاله إيقاف تأثيرات البيئة أو تغيير اتجاهاتها .
  • الاستجابة التأقلمية / وهي الاستجابة التي حصلت نتيجة التقدم البسيط للإنسان وحصوله على بعض المعرفة فبدأ يتأقلم جزئياً مع ظروف بيئته الطبيعية، فاعتمد على وسائل متطورة نسبياً في الصيد أو الرعي في مناطق مختلفة فضلاً عن تربية الحيوانات والاستفادة منها .
  • الاستجابة الإيجابية / وهي المرحلة التي تبرز قدرة الإنسان على ترويض بيئته بحسب مصالحه واحتياجاته، حيث تطورت وسائل الإنسان وامكانيته في الصيد والزراعة والتجارة والصناعة، فضلاً عن تطور البيئة الاجتماعية للإنسان من خلال التجمعات البشرية الناجمة عن العمل في المهن والنشاطات الاقتصادية المختلفة. 
  • الاستجابة الإبداعية / وهنا لا يكتفي الإنسان بمجرد التأقلم مع بيئته أو تطويرها لخدمته، بل أخذ يبتكر ويبدع ليتغلب على جميع عناصرها .













عدد المشاهدات: 366