العرب أصحاب فصاحة وبلاغة، يوردون المعنى بأحسن الألفاظ المفهمة، ويولون اهتماماً بكلِّ ما يحيط بالمعنى من سياق لغوي وغير لغوي ( مقام)، ولمَّا أُنزل القرآن الكريم بهذه اللغة وهو يضمُّ من المعاني الجليلة، والأساليب القويمة، على سمت لغة العرب، جعل ذلك علماء اللغة العربية المتقدمين، يهتمون بالمعنى أيَّما اهتمام، ويجعلونه قطب الرحى، الذي تدور في فلكه جميع علوم اللغة العربية، كاشفة عن لباسه، من تراكيب وأحوال ، بأحسن حلية، وأقوم مزية، فشمر علماء اللغة العربية عن سواعدهم، وأركزوا فطنهم، لتتبع أساليب العرب في بيان قصدهم، وتجلي مرادهم ، فكان الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175 هـ)، وتلميذه الفطن سيبويه (ت 180 هـ)، خير من تناول هذا الأمر، بدقة النظر، وحسن الوصف، فكان (الكتاب) لسيبويه أعظم مُؤَلَّفٍ، وأوّل مُصَنَّفٍ، في هذا الميدان ، ثم أفاد من هذا الإرث الأصيل كلّ من تلاهم من علماء اللغة.
الجملة الفعلية :
الحذف نوع من أنواع الإيجاز مع عدم الإخلال بالمعنى ، إذ يعبر عن المعنى بألفاظ قليلة ، فحذف الكلمة يكون بدلالة غيرها عليها من حال أو فحوى كلام ، فقد يكون الحذف أبلغ من الذكر.
الجملة الفعلية تركيب من تراكيب اللغة العربية , التي لابدَّ فيها من ركنين , المسند والمســـــند إليه , نحو : ( يـــــذهب عبدُ الله ) , وهـــما مــــما يــــكمل أحدهما الآخر, فقد يحتاج الفعل الى اسم آخر فقط , نحو : ( جلس عمرو ) , أو إلى أكثر من اسم , نحو : ( ضربَ عبدُ اللهِ زيداً ).
والفعل حكم , ولابدَّ للحكم من محكوم عليه , وهو الفاعل , فإن وجد فعل ليس له فاعل ظاهراً قُدِّر له فاعل بحسب المعنى , وكذا إذا وجد فاعل من دون فعل مع دلالة المعنى على ذلك , قُدِّر له فعلُ بحسب المعنى المناسب له , وهذا حمل على الأصل, وهو من باب الحذف , وهو في لغة العرب كثير , له في النظم دقَّة , وفي التناول جمال , فحذفه أفصح من إظهاره , فيأخذك أخذ السحر , كأنك زينته مظهراً له وانت لم تظهره.
والحذف في الجملة الفعلية قد يكون جائزاً إظهاره أولاً , فسيبويه يذهب في قوله تعالى : انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ,وقولهم : ( وراءك أوسعَ لك ) و ( حسبك خيراً لك ) إذا كنت تأمر ، فيقدر فعلا محذوفا جوازاً قد نصب ( خيراً ) و ( أوسعَ ) , مع القرينة أي : انته وادخل فيما هو خير لك , فحذف الفعل لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب .
وصاحب المقتضب وضَّح إضمار الفعل مع القرينة بقوله : ” إذا علمت أن السامع مستغن عن ذكره – نحو قولك – إذا رأيت رجلاً قد سدد سهما فسمعت صوتا – : القرطاسَ والله , أي أصابَ القرطاسَ , أو رأيت قوما يتوقعون هلالاً , ثم سمعت تكبيراً قلت : الهلالَ و الله , أي رأوا الهلال “.
فالمبرَّد جعل حذف الفعل هنا لقرينة حالية , ومن ثم لا مانع في هذا الموطن من إظهار الفعل .
أما ابن يعيش فحمل ذكر الفاعل بدون عامله على وجود القرينة , وذلك كسؤال الشخص لشخص آخر عن مضروب أو مقتول مع عدم العلم بالفاعل , فيجاب بـ ( زيد أو عمرو ) عن سؤال : ( مَن ضربَهُ أو مَن قتلَهُ ) أي بالسؤال عن الفاعل , والتقدير : ( ضربَهُ زيدٌ أو قتله عمرو ) , فالشك في الفاعل لا في الفعل.
أما الرضي فجعل تقدير المحذوف بحسب السؤال في نقده لقول ابن الحاجب , بقوله ” قوله : (( زيد , لمن قال من قام )) , الظاهر أن (( زيد )) مبتدأ لا فاعل لأن مـــطابقة الــــجواب للـــسؤال أولــــى , … وأيـضا فالــــسؤال عـــــن الــقائـم لا عــــن الفـــعــل , والأهم تقديم المسؤول عنه , فالأولى أن يقدر : زيد قام “.
فالرضي جعل السؤال قرينة على المحذوف , ويجاب بحسب معنى السؤال والمقصود .
ذهب جمهور النحويين إلى وجوب حذف الفعل إذا فُسِّر بفعل آخر, لأن الجـــمع بــــين المُفَسِّر والمُفَسَّر لا يــــجوز عندهم , وهذا مطّرد عندهم بعد أدوات الشـرط , إذ لا يليـها إلا فعل , فإذا أتى بعدها اسم تأوَّلوه بفعل محذوف.
فسيبويه حمل الاسم المنصوب على فعل مضمر يفسّره فعل بعده بقوله : ” وإن شئت قلت : زيداً ضربتهُ , وإنما نصبه على إضمار فعل هذا يفسره , كأنك قلت : ضربت زيداً ضربتهُ , إلا أنهم لا يظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بتفسيره . فالاسم ها هنا مبني على هذا المضمر “.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن الاسم الذي يأتي بعد ( إذا ) الشرطية مرتفع بفعل مضمر وجوباً لوجود مفسِّره بعد الاسم , فـ ( إذا ) تضاف إلى الأفعال كقوله تعالى : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ, فالتقدير ( إذا انشقتِ السماءُ انشقت ) , وما شابه هذا التركيب يضمر الفعل فيه وجوبا لوجود مفسِّره . وهذا مشهور مذهب النحويين .
في حين نرى الفرَّاء قد ذهب إلى أن رفع الاسم بعد أداة الشرط هـــــو الـــــفعل المـــــؤخر بـــــقولـــه : ” وقــــــولـــــه : وَإِنْ أَحَــــــدٌ مِـــــنَ الْمــــــُشْرِكِينَ اسْــــــتَجَـــــارَك , … ولو حولت ( هلكَ ) إلى ( إن يهلك ) لجزمته “.
فالـــفرَّاء حمل عمل ( إن ) على الفـعل الذي بعد الاسم , لا عـــلى فـــعل مـــضمر , مما يوجب كون الاسم المرفوع بعده فاعل للفعل الذي عملت فيه , فلا إضمار للفعل ولا حذف , وهذا مذهب كوفي في جواز تقديم الفاعل على الفعل.
ورأى الأخفش جواز الابتداء بـ ( أحد ) في الآية الكريمة ، وإن كان يرجح إضمار الفعل قبله ؛ لان حروف الشرط تدخل على الأفعال ، ولا يعقبها مبتدأ ، ويعلل ذلك بكون أن ( إنْ ) أمُّ الباب في الشرط ، فجاز أن يأتي بعدها اسم لتمكنها .
أما الرضي فذهب مع مشهور النحويين في الحذف الواجب ، ويــفصلّ فــي ذلك ، إذ يرى أن الحذف واجب مع وجود المفسٍّر في نحو : ( استجارك ) الظاهر من قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فأجرهُ، إذ المسوغ من الاتيان بهذا الظاهر، إذ يعلل وجود المفسِّر الظاهر للدلالة على التقدير ، فالإظهار يدفع الإبهام ، فالإبهام الذي يعقبه التفسير أوقع بالنفس شوقاً لمعرفة دلالته ، فضلا عن أن ذكر الشيء مكرراً ( إبهاماً ثم تفسيراً ) فيه توكيد ليس موجودا في الذكر الواحد ، ويوجه الشارح إعراب ( أحد ) فاعلا لفعل محذوف وليس مبتدأ ، حملاً على الاستقراء النحوي بأن حرف الشرط يدخل على الفعل.
ويبدو لي أن ما ذهب إليه جمهور النحويين في تقدير فعل محذوف وجوبا على شريطة التفسير لا ينطبق مع كلِّ شاهدٍ ؛ إذ لا يكون مقصوداً في المعنى ، بل قد يقبح ، وما هذا التقدير إلّا لجعل النصوص اللغوية موافقة لقواعدهم النحوية الصناعية ، فتقدير : وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجاركَ فأجره في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فأجرهُ، أمر لا يقصده المتكلم الفصيح البليغ فكيف بالعليِّ الأعلى ، الذي أنزل كتابه معجزاً ، إذ كانت العرب تقصد المعنى بأقرب الطرق وأخصرها، فلا يمكن أن يكون هذا مقصوداً في المعنى ؛ لما يحتاجه من دليل وتقدير متكلف ، فضلاً على أن حمل النص على الظاهر أولى من التقدير إن أمــــكن ذلك ، فــــلو قدَّرنا كون ( أحد ) فـــاعلاً مــــقدَّماً لكان أوفى للقصد والمعنى ، والذي حمل النحويون عــــلى تـــقدير فعل بعد ( إن ) الشرطية وما يشبهها أنها لا تدخل إلا على الفعل بالاستقراء ، وكان من الممكن حل هذه المشكلة في النصوص التي وردت عن العرب بدخولها على غير الفعل من خلال حملها على التقدير في دخولها على الاسم ، بكونه مقدماً لفظاً ومؤخراً تقديراً ، فالحمل على التقدير وارد في لغة العرب ، مما يجعلها في نهاية المطاف داخــــلة عـــلى الجـــملة الفـــعلية ، إذ يـــمكن ان يـــعمل الفـــعل فـــي الـفاعل المقدَّم ، فتقديم الفاعل قد يكون للاهتمام والاختصاص ، كتقديم المفعول إذا كان الكلام فيه وليس في الفعل ، وكذا في ( أحد ) ؛ لأن الغرض صون دم المشرك الذي جاء طالباً الاستجارة ، ليستمع لكلام الله ، ثمَّ إن العرب تقدم ما هو أهم على المهم وإن كانا بمجموعهما يهمَّانهم ويقصدانهم.
فالسياق والمعنى المقصود هما الفيصل في التقدير ، كقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقــُولُـنَّ اللَّهُ ، فـدلالــة السيــاق بـوجــود الفـعـل ( خَلَقَهم ) دليـل عـلى المـحذوف ، إذ لفظ الجلالة ( الله ) فاعل ، وهو مـحـوج إلى عـامــل ومـن ثـم قدِّر العـامـل بـ ( خلقنا اللهُ ) ، فالمعنى يساعد على التقدير .
فالمعنى النحوي يعد غاية مهمة لدى العرب وعلماء العربية على حد سواء ، وهو الأول ثم التركيب ، وما اهتمامهم بالتركيب إلا لكشف المعنى ، فالمعاني عندهم أشرف وأجل .