مائة عام
صفية كاظم محمد – طالبة دكتوراه في اللغة العربية/ اللغة
لوضع قواعد العربية بواعث مختلفة ومتشابكة، منها الباعث الديني وغير الديني، والباعث الديني يتمثل في حرص العلماء الشديد في الحفاظ على أداء نصوص القرآن الكريم أداءً سليمًا بعد شيوع اللحن على ألسنة المسلمين، وضُعف سليقة مَن بَعُدَ عن ينابيع اللغة الفصيحة، فضلًا عن الاختلاط بالأعاجم ممّن دخل الإسلام، اختلاطًا أدخل الوهن على الألسنة. 
أمّا البواعث غير الدينية مثل البواعث الاجتماعية التي تعود للشعوب المستعربة واحساسها بالحاجة الماسة لمن يرسم لها أوضاع العربية في إعرابها، وتصريفها، حتى تتمثلها تمثلًا مستقيمًا، وتتقن النطق بأساليبها نطقًأ سليمًا.
فضلًا عن ذلك ما يتسم به العقل العربي من رقي، وطاقة ذهنية متوقدة، ممّا هيأ لهم التمكن من رصد الظواهر اللغوية، وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلًا تطرّد فيه القواعد، وتنتظم الأقيسة انتظامًا يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه.
واختلفت الروايات فيمن وضع النحو أولًا، إلّا أنّ أغلبها تشير إلى أنّ أبا الأسود الدؤلي (ت 69ه)، هو أول من وضع النحو بأمرٍ من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعلى الرغم من أنّ مقر الخلافة كان في الكوفة، إلّا أنّ البصرة تقدمت في وضع علم النحو ودراسته قبل الكوفة بمائة عام!! فما الأسباب التي دعت لذلك؟!
لعلّ الموقع الجغرافي للبصرة أحد أهم البواعث التي نبهت العلماء للحفاظ على سلامة اللغة العربية من اللحن والفساد، لوقوع البصرة على طريق التجارة بين بلاد العرب من جهة، والهند والصين وبلاد فارس من جهة أخرى.
فالدرس النحوي نشأ وقام على أكتاف رجال بصريين بذلوا ما وسعهم الجهد والوقت في سبيل إرساء قواعده، ووضع أصوله، وتحديد أقيسته بعد العمل على جمع مادته، ودرسها بحرص وأمانة ووعي. أمّا الكوفة فلم يكن لها تأريخ في الدرس النحوي آنذاك، فالمتتبع لسيرة نحاة الكوفة يجدهم تلاميذ البصريين، لم يتعمقوا في الدرس النحوي، ولم يبرعوا فيه، واكتفوا من محصولهم النحوي بأن يشتغلوا في الكوفة بتأديب أولاد الأمراء والموسرين.
وقد مرّ الدرس النحوي بطورين:
الأول: طور النشوء والنمو، ويتمثل بأبي الأسود وتلامذته، مثل: نصر بن عاصم (ت 89ه)، وعنبسة الفيل (توفي في القرن الأول الهجري)، ويحيى بن يعمر (ت 129ه)، وغيرهم.
الثاني: طور الاكتمال والنضج، ويتمثل بالخليل (ت 175ه)، وسيبويه (ت 180ه)، والرؤاسي (ت 187ه)، والهراء (ت 187ه).
وتتمثل المدرسة البصرية بأبي الأسود وتلامذته في الطور الأول، والخليل وسيبويه في الطور الثاني، أمّا الرؤاسي والهراء فهما يمثلان المدرسة الكوفية، ولعلّهما تتلمذا على بعض الأعلام الذين أشارت إليهم كتب التأريخ والقراءات والنحو إشارات عابرة، مثل: سعد بن شداد الكوفي الذي سمّاه السيوطي (ت 911ه) بـ (سعد الرابية)، وتوبة الملائي، وغيرهما ممّن أخذوا عن أبي الأسود، إلّا أنّهم لم يكونوا نحويين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وتتلمذ على أبي جعفر الرؤاسي الكسائي (ت 189ه)، وبدأ النحو الكوفي بدءًا حقيقًا بالكسائي وتلميذه الفراء (ت 207ه)، فهما اهتما بالدراسات النحوية ورسما صورة هذا النحو، ووضعا أسسه وأصوله، وكان ذلك لحاجة الكسائي للإلمام بعلوم اللغة ليخدم قراءته، وليساعده في تفسير القرآن الكريم، فكان الكسائي أبرز من اهتم بالدراسات النحوية وأدخلها في الكوفة ونشطها، وإن كان قبله عدد ممّن سمّوا بالنحاة، ولم يكن دورهم ظاهرًا في ذلك. فقد شدّ الكسائي الرحال إلى البصرة، وجلس في حلقة الخليل وأخذ عنه نحوًا كثيرًا، ثم خرج إلى البادية وسمع من الأعراب ودوّن ما سمعه حتى أنفذ خمس عشرة قنينة.
عندما انشغل البصريون بالدرس النحوي ووضع قواعده، انشغل الكوفيون بالفقه ووضع أصوله ومقاييسه وفتاواه، وبالقراءات وروايتها رواية دقيقة، وكذلك انصرافهم عن شؤون الحياة الأخرى، واهتمامهم بالشعر، إذ أسهموا في إيجاد هذا التراث الشعري الضخم، والذي أصبح عدة الدارسين وعمدتهم في الدرس اللغوي والنحوي الذي شاركت فيه الكوفة في عهد متأخر عن البصرة التي سبقتها إلى ذلك بنحو مائة عام.
روافد المقال:
  • أخبار النحويين البصريين، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، أبو سعيد (ت ٣٦٨هـ)، تح: طه محمد الزيني، ومحمد عبد المنعم خفاجي – المدرسين بالأزهر الشريف، مصطفى البابي الحلبي، ط1، ١٣٧٣هـ – ١٩٦٦م.
  • الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري المعروف بابن سعد، دراسة وتحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، ١٤١٠هـ – ١٩٩٠م.
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، الشيخ محمد الطنطاوي رحمه الله، تح: أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل، مكتبة إحياء التراث الإسلامي، ط1، ٢٠٠٥ه- ١٤٢٦م.
  • المدارس النحوية، أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (ت ١٤٢٦هـ)، دار المعارف.
  • المدارس النحوية، د. خديجة الحديثي، دار الأمل للنشر والتوزيع، أربد- الأردن، ط3، 1422ه- 2001م,
عدد المشاهدات: 21