التجربة الماليزية في القضاء على الفقر

ا. د. عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي جامعة كربلاء كلية التربية للعلوم الإنسانية قسم التاريخ

استقلت ماليزيا عن بريطانيا عام 1957وعدد سكانها ثلاثون مليون ونسبة الاعراق فيها المسلمون الملايو 65% والصينيون 26 % والهنود 8% واعراق اخرى مختلفة 1% ميزانية التربية والتعليم 20 -25 % والاستقلال كدولة فقيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،بعد ان تبدلت سياسة التاج البريطاني تجاه المستعمرات الإنكليزية في شتى أنحاء العالم .وفي هذا السياق، استقلت ماليزيا عام 1957، وتم حكم تلك الدولة عبر نظام ملكي دستوري، يملك الملك فيه ولا يحكم، بينما يقوم رئيس الوزراء، والذي عادةً يكون رئيس الحزب صاحب العدد الأكبر من النواب في البرلمان، بإدارة البلاد.

في الفترة الأولى التي أعقبت استقلال ماليزيا، عانت البلاد من تبعات مرحلة ما بعد الاستعمار، والتي تمثلت في المعاناة الاقتصادية والتخلف الذي التي طال معظم أفراد الشعب، وسوء توزيع الثروة بين أفراده.

كان الاستعمار الإنكليزي قد عمل منذ فترة مبكرة من وصوله إلى ماليزيا، على استقدام العمالة الصينية والهندية إليها، وهو ما أدى مع مرور الوقت، إلى ظهور مشكلة عرقية، لأن أغلب الثروات تركزت في يد الصينيين وهم اقلية الذين كانوا أكثر خبرة ومهارة، وعانى الملايو وهم الأكثرية وهم أيضا أصحاب الأرض الأصليون من التهميش والفقر، رغم أن نسبة الملايو المسلمين في البلاد تزيد عن 65%، بينما تقل نسبة الصينيين عن 26%.وفي عام 1969 نظم الملايو تظاهرات كبرى في شتى أنحاء ماليزيا، للمطالبة بحقوقهم، وهو الأمر الذي استجابت له الحكومة بإقرارها مجموعة من القوانين والتنظيمات التي عرفت وقتها بسياسة تمكين الملايو. لكن القضاء على الفقر في ماليزيا كان على يد شخصية ماليزية يدعى مهاتير محمد الذي ولد في العاشر من يوليو عام 1925 لأسرة من الملايو، مسلمة متوسطة الحال.

درس مهاتير الطب، وابتدأ نشاطه السياسي بانضمامه إلى الحزب الحاكم (أمنو)، وذاع صيته بعدما أصدر كتابه “معضلة الملايو”، عام 1970، واستعرض فيه مشاكل هؤلاء السكان الأصليين المسلمين، الذين كانت تظاهراتهم الغاضبة تملأ الشوارع في ذلك الوقت.وبعد منع تداول الكتاب، حظي مهاتير بشهرة كبيرة، وتم انتخابه عضواً في البرلمان الماليزي، ثم اختير وزيراً للتعليم، قبل أن يتمكن من الوصول إلى منصب رئيس الوزراء في عام 1981، لتبدأ رحلة التحديث الماليزية.والقضاء على الفقر

ففي كتابه “طبيب في رئاسة الوزراء”، يشرح مهاتير محمد أسس النظام الإداري الذي انتهجته الدولة الماليزية في عهده، فيقول: “يجب أن تكون لديك إدارة جيدة وأن تواجه الفساد. وحتى تمنع الفساد يمكن أن تضع بعض القوانين الصارمة، ولكن الأهم من ذلك هو تطوير نظام إداري يكون واضحاً جداً، بحيث يتم تحديد مجموعة الإجراءات التي يجب اتخاذها لتنفيذ أي عمل، والزمن الذي يستغرقه ذلك، وصلاحيات الموظفين، فإذا لم يقم الموظف بما حُدد له بدقة وضمن الزمن المحدد، فيستنتج أنه فاسد، وبالتالي سيحاسب ويُتخذ الإجراء اللازم بحقه”.

وإذا كانت الإدارة الحازمة هي الطريقة التي انتهجها مهاتير للوصول إلى مشروعه التحديثي، فإنه في الوقت ذاته، وضع نصب عينيه أسساً لعملية التنمية.تلك الأسس بحسب ما جاء في كتابه، تتمثل في إزالة العقبات أمام الاستثمارات الأجنبية، والاعتماد على الموارد الذاتية لماليزيا ورفض الاقتراض الخارجي، وتوفير التعليم الجيد للمواطنين.وأن أولى تلك الخطوات كانت تشجيع التصنيع والتصدير، إذ رفضت الحكومة أن تنافس السلع التي ينتجها المستثمر الأجنبي الصناعات الوطنية في السوق المحلية، كما تم التركيز على الاستثمار في سوق الصناعات الإلكترونية، لكونها كثيفة العمالة، مما ترتب عليه تخفيض معدلات البطالة من جهة وتقليل الفوارق في الأجور والثروة بين مختلف فئات المجتمع الماليزي من جهة ثانية.

هكذا، قلت نسبة الفقر من 71% في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلى ما يقرب من 1% بعد عام 2018.وأدى التغير الذي طرأ على المجتمع الماليزي إلى تحوله من مجتمع زراعي يقوم على بيع المواد الزراعية الخام إلى مجتمع صناعي تحويلي، وهو ما نتج عنه بالتبعية أن الكثيرين من الماليزيين الذين كانوا يعيشون في الريف تركوا قراهم، وانتقلوا للإقامة في المدن، وهو الأمر الذي ساعد في تحديث المجتمع.

وتجلّت سياسات مهاتير محمد الداعمة للاعتماد على الموارد الذاتية في رفضه لإملاءات البنك الدولي، واتجاهه إلى إشراك الشعب الماليزي في المشاريع الكبرى.

ومضت الحكومة الماليزية قدماً في سياسة الخصخصة المحسوبة، واشترك أبناء الملايو في امتلاك المؤسسات الكبرى في بلدهم، وكان الهدف من ذلك تضييق الفجوة الاقتصادية بينهم وبين الصينيين.

أظهرت إحصاءات عدة أن ما يقرب من 7 ملايين من بين 12 مليوناً من الملايو (بحسب أعدادهم في بداية الثمانينيات من القرن الماضي)، كانت لديهم حصص في الشركات الماليزية الكبيرة، بشكل يضمن المشاركة في إدارتها وجني الأرباح الاقتصادية منها، وهو ما أدى إلى ظهور طبقة متميزة من رجال الأعمال الملايو.

كل تلك المشاريع التنموية ترافقت مع سعي الحكومة إلى استغلال الثروات الطبيعية المتوفرة في الأراضي الماليزية، فطورت عمليات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، حتى احتلت ماليزيا المركز الثالث عشر عالمياً من حيث احتياطي الغاز الطبيعي، والثاني والعشرين من حيث احتياطي النفط، وأقيمت العديد من المشاريع المرتبطة بالطاقة وإنتاج الكهرباء وكان التعليم دور في القضاء على الفقر إذ

كانت ماليزيا تتمنى ان تكرار تجربة اليابان التعليمية، ولذلك أرسلت البعثات الدراسية المختلفة إلى اليابان، واحتذى بتجربتهم في ربط الخطط التعليمية بالأهداف القومية، التنموية وبالعناية بالمعاهد الصناعية لتلبية احتياجات المجتمع ونواقصه.ولم تكن تلك الآمال لتتحقق بدون ضخ ميزانيات ضخمة فيها. فإن الحكومة الماليزية في عهد مهاتير محمد، خصصت ربع ميزانيتها  قُدّرت ميزانية التعليم في ماليزيا في عام 2007، بنحو 35 مليار رنجت (12 مليار دولار)، فيما بلغت موازنة الدفاع والجيش نحو 13 مليار رنجت.

وفي 2011، بلغت ميزانية التعليم 40 مليار رنجت، وميزانية الدفاع نحو 14 مليار فحسب.هذا الإنفاق السخي على التعليم في ماليزيا، أدى إلى ارتفاع كبير في معدل المدرسين إلى الطلبة، ليصل إلى مدرس واحد لكل 18 طالب في عام 2000.كما أن عدد الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه تضاعف عشرات المرات. ففي حين كان عدد الخريجين من حملة إحدى هاتين الشهادتين لا يزيد عن المئة سنوياً قبل عام 1985، اقترب عددهم عام 2000 من 2500 سنوياً.وكان

الإسلام السياسي الصحيح دور في القضاء على الفقر فان

على الرغم من كون ماليزيا دولة ذات أغلبية مسلمة، لم تصطدم بالعوائق التي واجهتها معظم الدول الإسلامية التي سعت إلى التحديث والتنمية.وربما لعبت الطريقة التي تمت بواسطتها إدارة الملف الديني في ماليزيا، دوراً كبيراً فيما وصلت إليه من تقدم.فمنذ أن حصلت ماليزيا على استقلالها، وهي تدار بواسطة ائتلاف مكوّن من عدد من الأحزاب، تتزعمه المنظمة الوطنية للاتحاد المالايوي (أمنو)، وتشترك معها مجموعة من الأحزاب التي تمثل الصينيين والهنود.

وفي محاولة من هذا الائتلاف، للعبور فوق مشكلة اختلاف الأعراق والطائفية، تم التأكيد على علمانية الدولة، وعلى ضمان الحقوق السياسية والثقافية لمختلف الطوائف. وبموجب تلك النظرة العلمانية، ظلت التشريعات والقوانين الإسلامية، مقتصرة على قوانين الأحوال الشخصية التي تُطبّق على المسلمين وحدهم.وقد عملت الحكومة على عدم التعرض للتيارات الإسلامية التي ظهرت في ماليزيا منذ ستينيات القرن الماضي، وفضلت انتهاج السبل السلمية والتعامل بأسلوب التعايش والاحتواء والبعد عن استخدام العنف قدر الإمكان. فإن الطلبة الماليزيين الذين درسوا في مراكز الثقافة الإسلامية في الشرق الأوسط شكلوا، بعد رجوعهم إلى وطنهم، البذرة الأولى لجماعات الإسلام السياسي، خصوصاً أن هؤلاء احتكوا في البلاد التي درسوا فيها بجماعة الإخوان المسلمين وتعرّفوا على أدبياتها وكتبها الأصلية، ونقلوا أفكارها إلى ماليزيا.

والحزب الإسلامي “باس”، بقيادة الشيخ عبد الهادي أوانج، هو الفصيل الأكثر انتماء إلى الإسلام السياسي في ماليزيا. فهو يشارك بشكل فعال في الحياة السياسية، واستطاع أن يسيطر على بعض الولايات، ومن أهمها ولاية كلنتان.وعلى الرغم من أن (باس) يعمل في معظم الأحيان ضمن قوى المعارضة، فهو في بعض الأحيان يعقد تحالفات مع حزب (أمنو) الحاكم. فعلى سبيل المثال اتفق الحزبان على تمرير بعض القوانين المرتبطة بتطبيق الشريعة، والتي بموجبها سوف يتم تطبيق عقوبة الجلد والضرب بالعصا في بعض حالات السرقة والتعدي على الغير.

وكان هذا الاتفاق قد أثار جدلاً كبيراً في الشارع الماليزي، إذ تخشى قوى المعارضة أن تكون تلك القوانين تمهيداً لتطبيق أحكام قطع الرأس والرجم في المستقبل.ولذلك يمكن القول إنه حتى الآن لم يحدث أن وقف التدين الإسلامي في وجه خطى التحديث الماليزية، بل كانت مشاركة ذلك التيار في السياسة، بشكل رسمي ومعلن، سبباً في عدم تصادمه مع الدولة وتوافقه مع الخط التنموي السائد فيها.ان

التجربة الماليزية في التنمية تعد من التجارب التي تمتاز بخصوصيتها واهميتها بالنسبة لدول العام الثالث والتي يمكن السير على خطاها للنهوض من التخلف والتبعية في الاقتصاد، فقد تحولت من بلد يعتمد على تصدير المواد الاولية البسيطة إلى أكبر الدول المصدرة للسلع والتقنية الصناعية في منطقة جنوب شرقي آسيا.

واستطاع الخروج من الازمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بدول جنوب شرقي آسيا في العام 1997، حيث لم تخضع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعلاج أزمتها بل عالجت المشكلة من خلال برنامج اقتصادي وطني متميز عمل على فرض قيود مشددة على سياسة البلاد النقدية والسير بشروطها الاقتصادية الوطنية، وليس الاعتماد على الآخرين الذين يبغون استغلال أزمتها.

وإحداث تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد الوطني يؤدي إلى زيادة ملحوظة ومستمرة في معدل نمو الدخل القومي بحيث تؤدي هذه الزيادة إلى التغلب على المشاكل التي تواجهها الدولة، مما يؤدي إلى ارتفاع في مستوى من معيشة الأفراد.

ففي مطلع القرن الواحد والعشرون اصبحت ماليزيا في طليعة ما يسمى النمور الآسيوية، والسبب منذ عام 1970 قد بدأت ماليزيا لمحاكاة اقتصادات النمور الآسيوية الأربعة جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية)، وجمهورية الصين (تايوان)، والتاج البريطاني مستعمرة في هونغ كونغ وجمهورية سنغافورة والتزمت بالانتقال من التعدين والزراعة إلى اقتصاد أكثر اقتصادا ذو فاعلية. ومع الاستثمارات اليابانية، ازدهرت الصناعات الثقيلة منذ سنوات، وأصبح الدعامة الرئيسية للبلد المحرك الرئيسي للنمو. وقد حققت ماليزيا باستمرار معدل نمو محلي إجمالي يزيد على 7 ٪  مع انخفاض التضخم في الثمانينات والتسعينيات. ماليزيا اليوم هي واحدة من أكبر الشركات المصنعة للأقراص الصلبة للكمبيوتر.

وفي مفاجأة من العيار العالي الذي كشف عنه تقرير نشر قبل اجتماع قمة مجموعة “بريكس” الذي ناقش مشكلة بعض القوى الاقتصادية الناشئة والسعي لمواجهة التحالفات الاقتصادية الغربية في جنوب أفريقيا عام 2013 فقد اظهرت (بريكس) ان حجم الاستثمارات الماليزية في أفريقيا لتصل الى المرتبة الثالثة في قائمة المستثمرين الأجانب في القارة بعد فرنسا والولايات المتحدة، وبالتالي وضعت العديد من علامات الاستفهام حول التغلغل الماليزي القوي في افريقيا والذي اصاب العديد من القوى الاقتصادية الأخرى بالصدمة. وأشار تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة إلى أن حجم الاستثمارات الماليزية في أفريقيا تجاوز 19.6 مليار دولار بنهاية عام 2011، مقابل 16 مليار دولار للصين و 14 مليار دولار للهند. وقد دفع هذا المجتمع الاقتصادي العالمي إلى دراسة هذه الظاهرة الفريدة بعد أن ظلت ماليزيا بعيدا عن متناول مؤسسات الاستشارات الاقتصادية الدولية ان التجربة الماليزية في القضاء على الفقر مثال يحتذى به بدعم المكون الأكثر المستضعفين والتعليم الجيد والعمل السياسي الناضج وفوق ذلك حكيم سياسي مثل مهاتير محمد.