الريادة في علم أصول النحو العربي
صفية كاظم محمد/ طالبة دكتوراه في اللغة العربية- اللغة
اختلف الباحثون المحدثون في نسبة ريادة علم أصول النحو العربي للنحاة القدماء، فمنهم من نسبه لأبي عثمان ابن جني (ت 392ه)، ومنهم من نسبه لأبي البركات بن الأنباري (ت 577ه)، وإن كانوا هم من نسبوها لأنفسهم في الأصل، إذ قال ابن جني: “أنا لم نر أحدًا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو، على مذهب أصول الكلام والفقه”، وأمّا ابن الإنباري فقال: “وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما وهما علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو… على حد اصول الفقه؛ فإنّ بينهما من المناسبة ما لا يخفى؛ لأن النحو معقول من منقول، كما الفقه معقول من منقول”، ثم يأتي السيوطي (ت 911ه) بعد قرون من الزمن ليصنف كتابًا ويعنونه بـ (الاقتراح في أصول النحو وجدله) فيزعم ريادته لهذا العلم قائلًا: “هذا كتاب غريب الوضع، عجيب الصنع، لطيف المعنى، طريف المبنى، لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله، في علم لم أسبق إلى ترتيبه، ولم أتقدم إلى تهذيبه، وهو أصول النحو، الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه”.
وإذا أردنا تتبع قضية الريادة في وضع علم أصول النحو نجد أنّ د. أحمد مكي الأنصاري ينسبها للفراء (ت 207ه)، فهو يرى أنّ “البحث ينطق بأنّ الفراء… سبق إلى وضع الأصول والقوانين في عهدٍ لم يعنَ سيبويه، ولا أستاذه الخليل بمثل هذا التقنين”، وقد استند في رأيه هذا على ما جاء في بعض كتب التراجم والأخبار حول سبب تأليف الفراء كتاب (الحدود) المنسوب إليه المفقود عن الأشهاد، وكيف يُستدل بمفقود على تأصيل علم وريادة نهج؟! فضلًا عن عدم نقله نصًا واحدًا من حدود الفراء يؤصل فيه لأصول النحو العربي. و نجد كلام ابن سلّام الجمحي (ت 232ه) في كتابه (طبقات فحول الشعراء) يفند مزاعم د. الأنصاري لريادة علم أصول النحو، إذ قال: “وكان لأهل البصرة في العربية قُدمةٌ، وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية. وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيله، ووضع قياسها: ابو الأسود الدؤلي”، وفي كلام ابن سلّام دلالة واضحة على نسبة أحد الأصول وهو (القياس) لأبي الأسود الدؤلي (ت 69ه)، وفي قول أبي الأسود تأكيدًا على ذلك ودلالة قاطعة على استعماله القياس على تلك الأصول التي ألقيت إليه، إذ قال: “ألقى إليَّ عليٌّ أصولًا احتذيتُ عليها”.
أمّا كتاب ابن السّراج (الأصول في النحو) فقد أشار فيه ربما عن غير قصدٍ إلى أهمية أدلة النحو وأسسه التي تُبنى عليه قواعده، وقد صرف جلّ اهتمامه في صوغ القواعد النحوية وبسطها وتبسيطها للمتعلمين لما رآه من صعوبة المصنفات قبله، وهذا ما صرّح به قائلًا: “أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعا يحصره وفصلته تفصيلا يظهره، ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما يمكن من القول وأبينه ليسبق إلى القلوب فهمه ويسهل على متعلميه حفظه”.
ونجد كثيرًا من الباحثين المحدثين من نسب الريادة لابن السّراج، وذهبوا إلى أنّ حركة التأليف في النحو توجت في القرن الرابع الهجري باختراع علم أصول النحو على يد ابن السّراج في كتابيه (أصول النحو الكبير والصغير)، منهم د. زهير غازي، ود. علي ابو المكارم، ود. محمد عيد، وغيرهم، وقد فنّد د. تمّام حسّان رأيهم في كتابه (الأصول دراسة ابستمولوجية)، وجعله وهمًا وخطأً واعتقادًا مبنيًا على الظن عمدوا فيه إلى عنوان الكتاب فقط، فقال: “وهناك كثير من الكتب التي تحمل كلمة الأصول لكنّها لا تعرض منهج النحاة من حيث هو منهج، وإنّما تعنى بأصول القواعد النحوية ككتاب الأصول لابن السراج وجمل الأصول للزجاجي”، ويقول د. تمّام عن ابن السّراج أنّه “كان يقصد بالأصول أصول القواعد في الأساس، وإنّ كان يتبع كل أصل من هذه الأصول طائفة من المسائل تحت عنوان (مسائل من هذا الباب) وهو رأي مقبول لأنّ الأصول قد تستعمل بمعنى القواعد”، أي أنّه ينفي تفطنه لتلك الأصول وريادته للتأليف في بابها، وشاركه رأيه مجموعة من النقاد والباحثين أمثال د. حسن خميس الملخ في كتابه (نظرية الأصل والفرع)، ود. إبراهيم علوش في اطروحته (ابن الانباري وجهوده في النحو)، ود. أحمد عبد الباسط في كتابه (ارتقاء السيادة في علم أصول النحو)، في عدم ابتداع ابن السّراج لعلم أصول النحو. إلّا أنّ بعض الباحثين قد أنصف ابن السّراج أمثال د. محمود أحمد نحلة في كتابه (أصول النحو العربي)، ود. إبراهيم عبد الله رفيدة في كتابه (النحو وكتب التفسير) بأنّ ابن السّراج قد عرض في مواضع من كتابه لأصول النحو مثل السماع والقياس والمطرد والشاذ والعلّة.
أمّا عن ريادة ابن جني فقد أفاد من جهود سابقيه في الدرس النحوي ولا سيما جهود شيخه أبو علي الفارسي (377ه) الذي أولى القياس عناية فاقت حدّ الاتكاء عليه في الأحكام النحوية حتى أُثر عنه قولته المشهورة: “أخطئ في خمسين مسألة في اللغة. ولا أخطئ في واحدة من القياس”، ويُعد ابن جني أول من رسم الطريق، وعبّر عن علم أصول النحو بعلم مستقل له حدود ومسائل يصدق عليها الاصطلاح بهذا اللقب في تاريخ علم النحو، وقد جاهر بسبقه بالتأليف فيه، ولم يجد من سبقه أو تنبه لمثله فيقول: ” أنا لم نر أحدًا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو، على مذهب أصول الكلام والفقه. فأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلمم فيه بما نحن عليه، إلا حرفًا أو حرفين في أولهن وقد تعلق عليه به. وسنقول في معناه. على أن أبا الحسن قد كان صنف في شيء من المقاييس كتيبا، إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا، حتى دعا ذلك أقوامًا نُزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم، إلى الطعن عليه، والقدح في احتياجاته وعلله. وسترى ذلك مشروحًا في الفصول بإذن الله تعالى”، وقد حوى الكتاب مسائل علمية دقيقة تناولت دراسة معظم جوانب مهمة في السماع والنقل، وكذلك درس مسائل القياس بصورة مستفيضة ودقيقة، كما عقد بابًا للإجماع ، وآخر للاستصحاب، وهذه هي الأصول العامة والمهمة في دراسة النحو والصرف. ويقول د. حسن الملخ :” ويعد ابن جني أول من رسم طريق علم أصول النحو على هدي علمي الكلام والفقه، وبيان ذلك ما ساقه في كتابه الخصائص”. وذهب د. فاضل السامرائي إلى هذا الرأي إذ عدَّ ابن جني رائدًا لهذا العلم، وهو أول من ألف فيه، قائلًا: “كان لابن جني في أصول النحو باع طويل وجهد كبير، وهو أول من ألف فيه بهذه السعة وهذا الشمول”.
أمّا عن ريادة بن الأنباري لهذا العلم ففيه إجحاف كبير في حق ابن جني في السبق، إذ ذهب غير واحد من الباحثين هذا المذهب مستدلين على ذلك من قول ابن الانباري نفسه ، إذ قال: “فإن جماعة من أهل الفضل والاستبصار سألوني بعد ابتكار كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) وكتاب (الإغراب في جدل الإعراب) أن أعزز لهم بكتاب ثالث في الابتكار يشتمل على علم أصول النحو، المفتقر إليه غاية الافتقار؛ ليكون أو ما صنف في هذه الصناعة الواجبة الاعتبار، فأجبتهم على وفق طلبتهم في ثلاثين فصلًا على غاية الاختصار”، ومن الباحثين الذين ذهبوا هذا المذهب الأستاذ سعيد الأفغاني بعدما حقق رسالتيه في أصول النحو وأدلته، وقد نص على ريادة ابن الأنباري بقوله: “فن أصول النحو على نسق فن الأصول للفقه، قد وضع له كتاب (لمع الأدلة)… هذه أولية تاريخية لا ينازع فيها ابن الأنباري منازع، بل لم ينسج على منواله أحدٌ نعلمه مدة أربعمائة سنة”، ولا نستطيع إنكار جهد ابن الأنباري في إفراده لهذا العلم مصنفًا مستقلًا يجمع به شتاته من كتب النحاة والمصنفين، إلّا أنّه أفاد كذلك من كتب الفقهاء فقد ظهر تأثره بكتب أبي إسحاق الشيرازي (ت 476ه)، مثل (اللمع في أصول الفقه) و (التبصرة في أصول الفقه) وغيرهما.
أمّا عن ريادة السيوطي لهذا العلم فإنّ ما تقدم ينفي دعواه بالأولية، ولكنّه قدم مؤلفًا في علم أصول النحو معتمدًا على من سبقه ولا سيما ابن جني في الخصائص، وابن الأنباري في كتابيه السابقين، وهو ما ذكره في مقدمة كتابه (الاقتراح في أصول النحو).
بعد تتبع أقوال ومواقف الباحثين من ريادة علم أصول النحو يمكننا القول بأنّ الريادة لابن جني في التأليف في مجموع أصول النحو إذ ذكرها جملة وتفصيلًا في كتابه الخصائص وإن لم يعنون كتابه بهذا العنوان، إلّا أنّه ذكر مصطلح أصول النحو أثناء حديثه عن سبق عمله لهذا العلم، وقصده للتأليف فيها، ومحاولته تقليد الفقهاء في أصولهم ومحاكاتهم في تلك الأصول في النحو، ولا نستطيع إنكار جهد ابن الأنباري في جمع شتات هذا العلم في مؤلف وإنضاجه، لكنّ العلماء الذين سبقوهم كانوا يعلمون ويدركون هذا العلم بدءًا من أبي الأسود الذي استعمل القياس في مسائله ومن تلاه حتى ابن السراج الذي أضاف العلّة لأصول النحو، إلّا أنهم لم يفصلوا القول في هذا العلم حتى مجيء ابن جني وسبقهم في هذا المضمار.