مجلس الأمن القومي الأمريكي النشأة والتطور
م.م زهراء هاشم نور – قسم التاريخ الحديث
جامعة كربلاء – كلية التربية للعلوم الإنسانية
 
     عّرف خبراء الاستراتيجيات مفهوم الأمن القومي تعريفات عدة ولعل أهمها هو: قدرة الدولة عبر وسائلها المتاحة على ضمان قيمها و مصالحها من مختلف أشكال التهديد, حمايةً لأنظمتها السياسية داخلياً وخارجياً ، كما حددوا المفهوم بأنه مرادف لمعنى السياسة الدفاعية والهجومية التي تتحدد بحماية المصالح الحيوية للدولة والقيم التي تشكل جوهر سياسة امنها ، وأعتقد البعض بأنها السياسة التي يتحصل من خلالها على الأمان والابتعاد عن مخاطر الصدام والمجازفة بالمصالح العليا للدولة .
         سعت الولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية ,ونتيجةً للتحولات الدولية التي طرأت على الساحة الدولية بعد الحرب الى إيجاد خطط و استراتيجيات جديدة تتناسب والتغيرات الجديدة ,ولاسيما في مجال النزاعات الدولية والاقليمية وقضايا التسلح وتطور برامج الفضاء والدفاع والسياسة الخارجية وصياغة الخطوط العامة لسياسة واستراتيجية امنها القومي بغية الحفاظ على مصالحها القومية ولاسيما الاقتصادية والعسكرية . الامر الذي أقضى في تكريس فكرة سباق التسلح في مجال الأسلحة التقليدية والنووية بغض النظر ,عما إذا كانت دفاعية أو هجومية .
         وبسبب تزايد المخاوف الأمريكية على مصالحها القومية لاسيما الاقتصادية منها ، فقد ظهرت بوادر للصراع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية تجلى بصورة واضحة, بما يسمى ب “صراع القطبية الثنائية ” ذلك أن الخشية من قيام الاتحاد السوفيتي وبعض الدول الشيوعية التابعة له’ في استغلال الظروف الاقتصادية لبعض الدول إثر تداعيات الحرب العالمية الثانية .
    لذلك اتجهت الولايات المتحدة بتجاه وضع سياسات اقتصادية من شأنها الحد من التحركات السوفيتية ولاسيما في القارة الأوربية ,فقدمت مشروعاً للمساعدات الاقتصادية تحت ستار رفع المستوى المعاشي للأمم والشعوب التي تضررت خلال الحرب العالمية الثانية , والواقع كانت الغاية من ذلك هو حصر المد الشيوعي ومنعه من التمدد في القارة الاوربية من خلال رفع القدرة الشرائية لشعوب هذه الدول   وتحويلها الى اسواق تجارية للمنتجات الأمريكية ورهن اقتصادها بالاقتصاد الرأسمالي.
     ولعل أبرز المشاريع للمساعدات الاقتصادية التي عرضتها الادارة الامريكية على دول أوربا الغربية هو مشروع مارشال (Marshall Plan), إذ اقترح الجنرال جورج مارشال (George Marshall, مع بداية عام 1943 برنامجاً لتقييم امكانية إنشاء مؤسسة عسكرية رصينة تُعنى بشؤون الأمن القومي الامريكي , وقد نالت استحسان وترحيب من الكونغرس الامريكي و وزارة الدفاع الامريكية التي أولت الاقتراح اهتماماً كبيراً مع بداية عام 1944, إلا ان معارضة القوات البحرية للبرنامج المقترح دفع باتجاه تأجيله حتى عام 1945 .
        مع توفر الظروف القاسية والناجمة عن الحرب العالمية الثانية , اقترح وزير الخارجية كورديل هال (Cordell Hull ,إنشاء لجنة تنسيقية تضم ممثلين عن الدولة والحرب والإدارات البحرية حيث ان مركز تنسيق المعلومات والذي يعرف اختصاراً بـ (OCI), الذي انشأه الرئيس فرانكلين روزفلت(Franklin Roosevelt)),والذي اصبح معروفاً عنهُ بجمع المعلومات من المؤسسات الإدارية  وليس من مهامه أن يقدم المشورة للرئيس ولم يكن  لديهِ أي ارتباط فعلي مع السلطة التنفيذية ،بالإضافة الى ان مركز الخدمات الاستراتيجية الذي يعرف اختصاراً بـ (OSS,لم يكن هو الآخر يوفي بالمعلومات الكافية للأمن القومي الأمريكي.
       وفي عام 1945, تم حل المراكز السابقة الذكر بسبب عدم فاعليتها في اوقات السلم ,من قبل الرئيس الجديد للولايات المتحدة الامريكية هاري ترومان(Harry Truman),حيث يشار الى ان ونستون   تشرشل (Winston Churchill  , رئيس الوزراء البريطاني ارسل الى ترومان رسالةً يبلغهُ فيها ان الستار الحديدي قد سقط في أوربا في ضوء سلوكيات وأنشطة  الإتحاد السوفيتي بوسط وشرق أوربا, فتنبهَ ترومان الى مسألة ندرة المعلومات ,عن الأوضاع الأجنبية وعليه أدرك أن مركز الخدمات الاستراتيجية انتهى وقته وقد  آن الأوان لتكوين جهاز جديد. 
     أشارت التجربة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية الى ان المؤسسات التي صممت لعصرٍ قديم لم تعد مناسبة للمجموعة الجديدة التي أعدها المفهوم المتغير للأمن القومي في وظائف الإدارة الأمريكية ، ذلك أن جلسات الاستماع التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية حول كارثة بيرل هاربور(Pearl Harbor)),أوضحت ان الاستخبارات الامريكية لم تَكن كافية لحفظ الأمن في العصر الحديث ,لا سيما مع وضع الولايات المتحدة الجديد كقوة عالمية وعليه دعا وزير البحرية جيمس فورستال(James Forrestal) ,فرديناند أيبرسادت (Ferdinand Eberstadt) وهو رائد في أنشطة صناديق الاستثمار في بورصة (Wall Street) في مدينة نيويورك لترأس لجنة حول منظمة ما بعد الحرب من أجل الامن القومي الأمريكي, وعليه جاء تقرير إيبرستادت في شهر ايلول من عام 1945,أوضح فيهِ إعادة تنظيم كامل للأجهزة  العسكرية , اذ أقترح تشكيل ثلاث ادارات منفصلة في المؤسسة العسكرية و استمرار هيئة  الأركان المشتركة للجيش ,بالإضافة الى تشكيل اثنين من الهيئات الرئيسية في المجال المدني لتنسيق الادارات.
      وبعد مشاورات عديدة بين الرئيس ترومان و الادميرال وليام ليهي (William Leahy) ,مدير جهاز المخابرات الوطنية (National Intelligence) توصلوا الى إيجاد او تأسيس وكالة استخبارات المركزية تعمل لصالح الرئيس والحكومة ,كما وتكون متصلة بالرئيس مباشرةً فأن طموح ترومان كان يعزو الى إنشاء مركز جديد لأمن الولايات المتحدة يكون على غرار جهاز الاستخبارات البريطاني.
      لذلك أصدر الرئيس ترومان قانون الأمن القومي(National Security Act) في يوم 26/تموز(يوليو)/1947, الذي نص على إنشاء وكالة المخابرات المركزية (CIA)) , ملحقاً بها مجلس الأمن القومي(NSC) ومجلس أمن الموارد الوطنية و مؤسسات أُخرى .
     كان إنشاء قانون الأمن القومي لعام 1947تتويجاً لسنوات البحث والتخطيط لتنفيذ هيكل عسكري- سياسي, جديد مدعوم من قبل الرئيس هاري ترومان.
        إذ جرى التنسيق للمؤسسة الجديدة وهي مجلس الأمن القومي (NSC) ,التي تشكلت في بادئ الامر من الرئيس ونائب الرئيس وممثلين عن وزارة الدفاع للشؤون البرية والبحرية والجوية ( ),وممثلين عن وزارة الخارجية, وقد بدأ واضحاً إن الرئيس الامريكي ونائبهُ وفق هذا الترتيب يتصدران قيادة المجلس ,ويتمتع الرئيس بصلاحية تعيين أعضاء جدد بين وقتٍ وآخر في المراكز الحيوية( ) التي يراها ضرورية, ولعل أهمها:( ).
  1. أُمناء الادارات التنفيذية.
  2. رئيس وأعضاء مجلس الذخائر(المالية).
  3. رئيس وأعضاء البحث والتطوير.
  4. رئيس وأعضاء مجلس الموارد الوطنية.
      مع ملاحظة إن اي توسع إضافي للأعضاء يتطلب موافقة مجلس الشيوخ ( ).
     أما عن أهمية مجلس الأمن القومي الامريكي ,فأنها تكمن في مهامهِ التي تُعد , على إنها مهام ذات حيوية داخل قلب النظام السياسي للولايات المتحدة الامريكية ,فهو هيئة رئاسية مصغرة تقوم بأعباء كبيرة وبتنسيق عال جداً في عملية الإعداد والتخطيط للسياسة الخارجية( ),  مع ابداء المشورة للرئيس الامريكي قدر تعلق الامر في برامج السياسات الداخلية والخارجية ذات العلاقة بالأمن القومي( ), بالإضافةِ الى تقديم الاقتراحات الخاصة في خيارات السياسة الخارجية الامريكية و إجراء التوزان بين هذهِ الخيارات لجهتي الخسائر والمزايا ( ).
    أصبح  واضح ان إنشاء مجلس الأمن القومي (NSC ) , كان لتحسين هيكلية الإدارة السابقة, حيث جمع كبار المسؤولين والدبلوماسيين والعسكريين و موظفي المجلس وطبيعة علاقتهم بالرئيس( ),وفي عهد الرئيس الجديد دوايت آيزنهاور(Eisenhower Dwight)( )  لرئاسة الولايات المتحدة (1953-1961), تم إنشاء مركز جديد لهيكلية مجلس الأمن القومي في عام 1953, وهو مركز مستشار الأمن القومي, ويعد روبرت كاتلر(Robert Cutler)( ), أول مستشار أمن قومي في تأريخ الولايات المتحدة, استمر في هذا المنصب للمدة (23آذار1953-2نيسان 1955)( ).
     والواقع ,يعد منصب مستشار الأمن القومي الامريكي على رأس المناصب الموجودة في المجلس ,على الرغم من أهمية الأعضاء الموجودين لكونهِ منصب حيوي يستطيع التأثير بشكل كبير في سياسة الأمن القومي لأسباب عدة :                                           
1-يُعين المستشار مُباشرةً من قبل الرئيس الأمريكي , دون الحاجة الى موافقة مجلس الشيوخ. 
2-يتمتع بصلاحيات استشارية مُستمدة من سلط
عدد المشاهدات: 44