علي حسين عبد الامير
يُعدّ الحد من أوجه عدم المساواة أحد أبرز التحديات الملحّة ضمن الأجندة العالمية للتنمية، كما وردت في إطار Sustainable Development Goals (SDGs) الذي اعتمدته United Nations. ويستهدف الهدف العاشر على وجه التحديد تقليص الفوارق في الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، واضعًا التعليم في موقع محوري بوصفه أداة فاعلة لتعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق الحراك الاجتماعي . وفي هذا السياق، لم يعد مفهوم العدالة في التعليم مسألة هامشية، بل أصبح مبدأً تنظيميًا أساسيًا في بنية الأنظمة التعليمية الحديثة.
ولا تزال اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية تمثّل عائقًا رئيسًا أمام الوصول إلى التعليم وتحقيق النجاح الأكاديمي. إذ يواجه المتعلمون من الفئات الأقل حظًا جملة من التحديات المتداخلة، تشمل القيود المالية، وضعف الوصول إلى الموارد التعليمية، وغياب البيئات الداعمة للتعلم. واستجابةً لذلك، اتجهت الأنظمة التعليمية المعاصرة إلى تبنّي تدخلات موجّهة، مثل برامج المنح الدراسية، والمساعدات المالية، والمبادرات المجتمعية الداعمة. ولا تهدف هذه الإجراءات إلى توسيع فرص الوصول فحسب، بل إلى تهيئة الظروف التي تمكّن الطلبة من تحقيق النجاح الفعلي.
وفي الوقت ذاته، تسهم عوامل التنوع الثقافي واللغوي في تشكيل أنماط اللامساواة التعليمية. إذ يواجه الطلبة المنتمون إلى جماعات لغوية أو ثقافية مهمّشة تحديات تتجاوز البعد المادي، لتشمل اختلاف اللغة، وعدم مواءمة المناهج الدراسية مع خلفياتهم الثقافية. وفي هذا الإطار، برز التعليم المستجيب ثقافيًا بوصفه مقاربة تربوية تسعى إلى معالجة هذه الفجوات. فمن خلال الاعتراف بالهويات الثقافية للطلبة ودمجها في العملية التعليمية، يمكن للمدرّسين خلق بيئات تعلم أكثر شمولًا وتفاعلية، بما يعزّز المشاركة والتحصيل العلمي على حد سواء.
ومن جهة أخرى، يطرح الإدماج المتزايد للتكنولوجيا في التعليم فرصًا وتحديات في آنٍ واحد فيما يتعلق بالعدالة التعليمية. فمن ناحية، توفّر المنصات الرقمية والموارد التعليمية المفتوحة وبيئات التعلم عبر الإنترنت إمكانات واسعة لتوسيع الوصول إلى تعليم عالي الجودة، لا سيما في المناطق النائية أو المحرومة. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الفجوة الرقمية—المتمثلة في التفاوت في الوصول إلى الأجهزة، والاتصال بالإنترنت، ومهارات الاستخدام—قد يسهم في تعميق الفوارق القائمة. ومن هنا، أصبح التصدي لهذه الفجوة عنصرًا أساسيًا ضمن الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة التعليمية.
ويمثّل التعليم الشامل لذوي الإعاقة بُعدًا آخر بالغ الأهمية في إطار الهدف العاشر. إذ تؤكد النماذج التربوية الحديثة على ضرورة ضمان مشاركة جميع المتعلمين في العملية التعليمية بصورة كاملة وفاعلة. ولا يقتصر ذلك على تهيئة البنية التحتية، بل يشمل أيضًا توفير المواد التعليمية الملائمة، والتقنيات المساندة، والخدمات الداعمة المتخصصة. ومن الجدير بالذكر أن التعليم الشامل لا يعود بالنفع على ذوي الإعاقة فحسب، بل يسهم كذلك في بناء بيئات تعليمية أكثر تنوعًا وتعاطفًا.
كما تؤدي ممارسات التقويم دورًا حاسمًا في تشكيل مخرجات التعليم، سواء في تعزيز العدالة أو تقويضها. فقد وُجّهت انتقادات متزايدة إلى الاختبارات المعيارية التقليدية، نظرًا لاعتمادها على أنماط معرفية محددة قد لا تعكس قدرات جميع المتعلمين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات متنوعة. وفي المقابل، شهدت الأساليب البديلة في التقويم—مثل التقويم التكويني، والتقويم القائم على المشاريع، وملفات الإنجاز—انتشارًا متزايدًا، لما توفره من فهم أعمق وأكثر شمولًا لعملية التعلم، بما يدعم تحقيق العدالة في التقييم.
ويبرز كذلك دور المجتمع بوصفه شريكًا أساسيًا في معالجة اللامساواة التعليمية. فلا يمكن للمؤسسات التعليمية أن تعمل بمعزل عن محيطها، بل يتعيّن عليها التعاون مع الأسر، والمنظمات المحلية، وصنّاع القرار، من أجل تشخيص التحديات وتطوير حلول مستدامة. وتسهم المبادرات المجتمعية في توفير دعم إضافي للمتعلمين، خاصة أولئك المنتمين إلى الفئات الهشّة، كما تعزّز الصلة بين التعليم والسياق الاجتماعي الأوسع.
وأخيرًا، تمثّل الأطر السياساتية وأنظمة الحوكمة عنصرًا حاسمًا في تعزيز العدالة في التعليم. إذ تضطلع الحكومات بدور محوري في تحديد الأولويات التعليمية، وتوزيع الموارد، وتطبيق السياسات الشاملة. وفي المقابل، يمكن للمنظمات الدولية والشراكات العابرة للحدود أن تقدّم دعمًا مهمًا من خلال التمويل، والخبرة الفنية، والتوجيه الاستراتيجي.
وعلى الرغم من هذه الجهود، لا يزال تحقيق العدالة التعليمية يمثل تحديًا معقدًا ومستمرًا. فالفوارق البنيوية، والتباينات الاقتصادية، والحواجز الاجتماعية لا تزال تحدّ من فرص العديد من المتعلمين. ومن ثم، فإن معالجة هذه القضايا تتطلب ليس فقط تدخلات سياساتية، بل أيضًا التزامًا مستدامًا بإعادة النظر في الممارسات التربوية والقيم التي تقوم عليها الأنظمة التعليمية.
وفي الختام، يؤكد الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة الأهمية المحورية للعدالة والشمول في التعليم المعاصر. فمن خلال معالجة الفوارق وتعزيز الممارسات الشاملة، يمكن لأنظمة التعليم أن تسهم في بناء مجتمعات أكثر عدلًا وتماسكًا. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مزيجًا من الإصلاحات الهيكلية، والابتكار التربوي، والتحول الثقافي نحو ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص للجميع.



