حيدر صالح عبد الحسين
في إطار الأجندة الأوسع لـ Sustainable Development Goals (SDGs)، يبرز الهدف الخامس بوصفه ركيزة أساسية تسعى إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات، وهو ما أكدته United Nations ضمن رؤيتها للتنمية المستدامة. ويحتل التعليم موقعًا محوريًا في هذا المسار، إذ لا يقتصر دوره على توسيع فرص الوصول فحسب، بل يمتد ليكون فضاءً تُبنى فيه المعايير الاجتماعية والهويات، وتُعاد فيه مساءلتها وتفكيكها. ومن ثمّ، تؤدي الأنظمة التعليمية المعاصرة دورًا حاسمًا في إعادة إنتاج أشكال اللامساواة القائمة على النوع الاجتماعي أو في تحدّيها وتجاوزها.
وعلى الرغم من التقدّم الملحوظ في توسيع فرص الالتحاق بالتعليم، لا تزال الفوارق بين الجنسين قائمة بأشكال متعددة. ففي بعض السياقات، تتجلّى هذه الفوارق في عدم تكافؤ معدلات الالتحاق والاستمرار، بينما تظهر في سياقات أخرى في أنماط اختيار التخصصات، لا سيما في ضعف تمثيل النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). وتشير هذه المؤشرات إلى أن ضمان الوصول وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر معالجة أعمق للعوامل البنيوية والثقافية التي تُعيد إنتاج هذه الفوارق.
ويمثّل تصميم المناهج الدراسية أحد أبرز مجالات التدخل في هذا السياق. فالمحتوى التعليمي ليس محايدًا بطبيعته، بل يعكس ويعزّز منظومات قيمية ومعرفية محددة. ومن هنا، تسعى المناهج الحساسة للنوع الاجتماعي إلى تفكيك الصور النمطية وإدماج أصوات وتجارب متنوعة، بما يسهم في تنمية وعي نقدي لدى المتعلمين تجاه قضايا النوع الاجتماعي والسلطة. ويُفضي هذا التوجّه إلى بناء فهم أكثر تعقيدًا وديناميكية للعلاقات الاجتماعية.
ولا تقل أهمية عن ذلك الممارسات اليومية لعمليتي التعليم والتعلم. إذ تتأثر التفاعلات الصفية في كثير من الأحيان بانحيازات ضمنية تنعكس على مستويات المشاركة، وأنماط التغذية الراجعة، وتوقعات الأداء. وتهدف المقاربات التربوية المستجيبة للنوع الاجتماعي إلى خلق بيئات تعليمية يشعر فيها جميع الطلبة بالتقدير والدعم المتكافئ. ويتحقق ذلك من خلال ضمان المشاركة العادلة، فضلًا عن تشجيع مساءلة الافتراضات التي قد تمرّ دون نقد في السياقات التقليدية.
أما دور التكنولوجيا في تحقيق المساواة بين الجنسين فيتّسم بدرجة من التعقيد. فمن جهة، تتيح المنصات الرقمية فرصًا لتوسيع الوصول إلى التعليم، خصوصًا للنساء والفتيات اللواتي قد تعوقهن ظروف جغرافية أو اجتماعية. ومن جهة أخرى، قد تسهم الفجوة الرقمية بين الجنسين في إعادة إنتاج أنماط اللامساواة القائمة. ومن ثمّ، يتطلب التعامل مع هذه الإشكالية مزيجًا من الاستثمار في البنية التحتية، وتنفيذ مبادرات تستهدف تعزيز المهارات الرقمية لدى الفئات الأقل تمثيلًا.
وفي هذا الإطار، برز تشجيع مشاركة النساء في مجالات STEM بوصفه أولوية ملحّة. نظرًا للدور المحوري لهذه المجالات في التنمية الاقتصادية المعاصرة، فإن ضعف تمثيل النساء فيها يحمل دلالات تتجاوز البعد التعليمي إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع. ومن هنا، يمكن للمبادرات التعليمية التي توفر الإرشاد الأكاديمي، ونماذج القدوة، وبيئات التعلم الداعمة أن تسهم في معالجة هذا الاختلال.
كما تؤدي السياسات المؤسسية دورًا جوهريًا في تشكيل ملامح المساواة داخل المؤسسات التعليمية. إذ يتعين على المدارس والجامعات اعتماد سياسات واضحة لمنع التمييز، والتحرش، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. ويُعد توفير بيئات تعليمية آمنة وشاملة شرطًا أساسيًا لضمان المشاركة الفاعلة وتحقيق النجاح الأكاديمي.
وخارج نطاق المؤسسة التعليمية، تظل مشاركة المجتمع عنصرًا حاسمًا في تحقيق التغيير المنشود. فلا يمكن للمبادرات التعليمية أن تؤتي ثمارها دون أن تُدعَم بجهود أوسع تستهدف تغيير الأنماط الثقافية والاجتماعية التي تحدّ من فرص النساء والفتيات. ويسهم التعاون مع الأسر، وقادة المجتمع، ومنظمات المجتمع المدني في تحقيق تغييرات أكثر استدامة وملاءمة للسياقات المحلية.
ومن جهة أخرى، يُعد الرصد والتقويم من الأدوات الأساسية لدعم التدخلات الفعّالة. فمن خلال جمع البيانات المتعلقة بالفوارق بين الجنسين وتحليلها، يمكن لصنّاع السياسات والباحثين التربويين تحديد مكامن الخلل وتتبع التقدم المحرز بمرور الوقت، بما يعزّز اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة.
وفي الختام، يبرز الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة الإمكانات التحويلية للتعليم في تعزيز المساواة بين الجنسين. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب مقاربة شمولية تتجاوز ضمان الوصول إلى التعليم، لتشمل المناهج، والممارسات التربوية، والثقافة المؤسسية، والبنى الاجتماعية الأوسع. ومن هذا المنظور، لا يُعد التعليم مجرد أداة لتحقيق المساواة، بل فضاءً تُبنى فيه المساواة بصورة واعية ومقصودة.



