العمل المناخي (الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة) والتعليم البيئي في العصر الحديث

د.رشيد برهان رشيد

يُعدّ التغير المناخي، دون مبالغة، أحد أبرز التحديات التي تواجه البشرية في العصر الراهن، الأمر الذي دفع إلى إعادة تقييم دور التعليم ضمن الأجندة العالمية للتنمية. وفي إطار Sustainable Development Goals (SDGs)  الذي اعتمدته United Nations، يدعو الهدف الثالث عشر إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة التغير المناخي وآثاره. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التعليم بوصفه آلية محورية في هذه الجهود، ليس فقط لرفع مستوى الوعي، بل أيضًا لتنمية الكفاءات اللازمة للعيش المستدام.

وقد شهد التعليم البيئي تحوّلًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من كونه مجالًا تخصصيًا محدودًا إلى عنصر أساسي مدمج في المناهج التعليمية المعاصرة. ولم يعد يُنظر إلى الاستدامة بوصفها موضوعًا محصورًا ضمن العلوم الطبيعية، بل أصبحت تُعالج باعتبارها قضية عابرة للتخصصات، تتقاطع مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويعكس هذا التوجه البيني تعقيد القضايا البيئية والحاجة إلى مقاربات شمولية لفهمها ومعالجتها.

ويُعد التفكير المنظومي أحد المفاهيم الأساسية في التعليم البيئي المعاصر. إذ يُشجَّع المتعلمون على إدراك الترابط بين الأنظمة البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وفهم الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الأفعال في مجال معين إلى آثار ممتدة في مجالات أخرى. وتُعد هذه الرؤية ضرورية لفهم ظاهرة التغير المناخي، التي لا يمكن تحليلها من خلال متغيرات منفصلة أو معزولة.

كما يحتل التعلم القائم على الخبرة مكانة محورية في هذا السياق. إذ توفّر الأنشطة التطبيقية، مثل مشاريع الاستدامة المجتمعية، ورصد الظواهر البيئية، وإدارة الموارد، فرصًا للمتعلمين للانخراط المباشر في القضايا البيئية. ولا تسهم هذه التجارب في تعميق الفهم فحسب، بل تعزّز أيضًا الإحساس بالمسؤولية والقدرة على الفعل، وهو ما يُعد عنصرًا حاسمًا في إحداث تغييرات سلوكية مستدامة على المدى البعيد.

وقد أسهمت التكنولوجيا في توسيع آفاق التعليم البيئي بشكل ملحوظ. إذ تتيح أدوات المحاكاة الرقمية، وتقنيات عرض البيانات، والمنصات التعاونية عبر الإنترنت للمتعلمين استكشاف الظواهر المعقدة بطرق أكثر وضوحًا وتفاعلية. كما تعزّز هذه الأدوات إمكانات الانخراط العالمي، من خلال إتاحة الفرصة للطلبة للمشاركة في حوارات ومبادرات دولية تتعلق بقضايا الاستدامة.

ومن جهة أخرى، باتت المؤسسات التعليمية مطالبة بشكل متزايد بأن تكون نموذجًا يُحتذى به في تبنّي الممارسات المستدامة. إذ تسهم المبادرات الرامية إلى ترشيد استهلاك الطاقة، وتقليل النفايات، وتشجيع وسائل النقل المستدامة في تحقيق الأهداف البيئية، فضلًا عن تعزيز الرسالة التربوية من خلال تجسيد القيم التي تُدرَّس داخل الصفوف الدراسية.

ومع ذلك، فإن نجاح تطبيق التعليم البيئي يعتمد بدرجة كبيرة على تأهيل المعلمين. إذ يتعيّن على المربين امتلاك معرفة معمّقة بالقضايا البيئية، إلى جانب مهارات تربوية تمكّنهم من التعامل مع موضوعات معقدة، بل وأحيانًا مثيرة للجدل. ومن هنا، تبرز أهمية برامج التطوير المهني المستمر في دعم هذا الجانب من الإصلاح التربوي.

كما يُعد الدعم السياساتي عاملًا حاسمًا في تمكين التعليم البيئي. إذ ينبغي على الحكومات والجهات التعليمية إعطاء الأولوية لقضايا الاستدامة ضمن المناهج الدراسية، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذها بفعالية. ويمكن أن تسهم الشراكات مع الجهات الخارجية، مثل المنظمات غير الحكومية والمؤسسات البحثية، في تعزيز هذه الجهود وتوسيع نطاق تأثيرها.

وفي الختام، يؤكد الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة الدور المحوري للتعليم في مواجهة التغير المناخي. ومن خلال تنمية التفكير المنظومي، وتعزيز التعلم القائم على الخبرة، وتوسيع آفاق الانخراط العالمي، يمكن للأنظمة التعليمية المعاصرة أن تسهم إسهامًا فاعلًا في تحقيق الاستدامة. غير أن تحقيق ذلك يتطلب التزامًا مستدامًا على المستويات المؤسسية والوطنية والعالمية على حد سواء.