م.م. بسمه برهان رشيد
المقدمة
تواجه المؤسسات التعليمية في العصر الحديث تحديات متزايدة تتعلق بضرورة تحقيق التنمية المستدامة في مجالاتها الإدارية والتربوية، بما يضمن استمرارية التطوير وجودة الأداء عبر الأجيال. ويُعد القادة التربويون العامل الحاسم في هذا المسار، إذ تقع على عاتقهم مسؤولية توجيه المعلمين والطلاب والبيئة المدرسية نحو تحقيق الأهداف المستدامة.
وفي هذا الإطار، يبرز الذكاء العاطفي بوصفه أحد أهم العوامل النفسية التي تسهم في نجاح القيادة التعليمية المستدامة، لأنه يمكّن القائد من فهم ذاته وفهم الآخرين، وضبط انفعالاته، وبناء علاقات إنسانية فعّالة تسهم في تطوير المؤسسة التربوية بشكل متوازن ومستدام.
أولاً: التنمية المستدامة في المؤسسات التعليمية
تُعرَّف التنمية المستدامة بأنها عملية شاملة تسعى إلى تحقيق توازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتطوير الموارد البشرية بما يضمن استمرارية التقدم (UNESCO, 2017).
وفي المجال التربوي، تتمثل التنمية المستدامة في بناء أنظمة تعليمية تركز على جودة التعليم، والمساواة في الفرص، وتنمية مهارات التفكير، والالتزام بالقيم الإنسانية. ويُعتبر القائد التربوي المستدام هو من يوظّف الموارد بكفاءة، ويشجع على التعلّم مدى الحياة، ويغرس ثقافة المسؤولية المجتمعية.
ثانياً: مفهوم الذكاء العاطفي ودوره القيادي
يُعرف الذكاء العاطفي بأنه قدرة الفرد على إدراك مشاعره ومشاعر الآخرين، وفهمها وتنظيمها، واستخدامها بطرق إيجابية لتعزيز التفكير والسلوك (Goleman, 1998).
وفي القيادة التربوية، يُسهم الذكاء العاطفي في بناء بيئة عمل صحية يسودها التعاون والاحترام والثقة المتبادلة، مما يعزز الأداء المؤسسي ويحد من الصراعات. فالقائد الواعي عاطفياً يمتلك القدرة على تحفيز الآخرين، وإلهامهم، وإدارة الأزمات بروح إيجابية، وهي سمات أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في المؤسسات التعليمية.
ثالثاً: العلاقة بين الذكاء العاطفي والتنمية المستدامة
ترتبط التنمية المستدامة بالذكاء العاطفي ارتباطاً وثيقاً، إذ إن القادة الذين يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء العاطفي قادرون على تحقيق استقرار نفسي ومهني داخل بيئاتهم التعليمية، مما يؤدي إلى استدامة العمل التربوي وتطويره.
وتشير الدراسات إلى أن المؤسسات التي تعتمد على قيادة عاطفية واعية تكون أكثر قدرة على مواجهة التغيرات وإدارة الموارد البشرية بكفاءة، وتبني سياسات تراعي رفاه العاملين (Mayer et al., 2016). كما أن الذكاء العاطفي يسهم في تعزيز التواصل الإنساني، واحترام التنوع، وحل المشكلات بأسلوب يوازن بين الحزم والمرونة، وهي مبادئ تتوافق مع فلسفة التنمية المستدامة.
⸻
رابعاً: آليات تنمية الذكاء العاطفي لدى القادة التربويين
لتحقيق القيادة المستدامة، من الضروري إعداد برامج تدريبية تركز على تطوير الذكاء العاطفي من خلال تنمية مهارات الوعي الذاتي، وضبط الانفعالات، والقدرة على التعاطف، والاتصال الفعّال.
كما ينبغي تضمين هذه المهارات ضمن برامج إعداد القادة التربويين في الجامعات والمؤسسات التعليمية. ويسهم هذا النهج في بناء قيادات تربوية قادرة على تحقيق التوازن بين الأهداف التعليمية والإنسانية والتنموية.
إن التنمية المستدامة في المؤسسات التعليمية لا يمكن أن تتحقق دون قيادة تربوية تمتلك وعياً عاطفياً وإنسانياً عميقاً.
فالقائد التربوي الذي يجمع بين الكفاءة الإدارية والذكاء العاطفي يخلق بيئة تعليمية محفزة على الإبداع والتعاون والنمو المستمر. ومن ثم، فإن الاستثمار في تنمية الذكاء العاطفي لدى القادة التربويين يُعدّ استثماراً في استدامة التعليم وجودته، وضمانة لبناء مجتمع معرفي متوازن قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
⸻
المراجع
• Goleman, D. (1998). Working with Emotional Intelligence. New York: Bantam Books.
• Mayer, J. D., Salovey, P., & Caruso, D. R. (2016). Emotional Intelligence: New Ability or Eclectic Traits? American Psychologist, 71(2), 192–215.
• UNESCO. (2017). Education for Sustainable Development Goals: Learning Objectives. Paris: UNESCO.
• العزاوي، مريم. (2022). الذكاء العاطفي والقيادة التعليمية: دراسة تطبيقية في المدارس الثانوية. مجلة التربية وعلم النفس، جامعة بغداد. • عبد الرحمن، فاطمة. (2021). القيادة التربوية المستدامة: مقاربة بين الفكر الإداري الحديث وأهداف التنمية المستدامة. مجلة العلوم التربوية والنفسية، جامعة القاهرة.



