الشاعر القديم والحديث وعلاقته بالمجتمع

م.د. فاطمة محسن هبر

 كان الشعر ومازال فنٌ يعبر من خلاله الشاعر عن قضايا مجتمعهِ على اختلافها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فهو كما عُرِفَ عنه وسيلة إعلامية تصور وتنقل ما يحدث بإسلوب فنِّي سهل اللغة، حسن الديباجة يزعزع النفس، ويحرك العاطفة تجاه القضية التي يصفها أو يريد إثارة الأنفس تجاهها.

   فالشاعر القديم كان ذا مجتمع محدود؛ وذلك في طبيعته راجع إلى محدودية البيئة التي يعيش فيها، فالشاعر في العصر الجاهلي كان بيئته مقتصرة على القبيلة التي ينتمي إليها فهي تعدّ بمثابة المجتمع الكامل لديه فما يصيب تلك القبيلة من قضايا، وما يعتريها من حوادث محزنة ومفرحة، سهلة وصعبة من كوارث طبيعية، وحروب بينها وبين القبائل المجاورة، وقضايا اجتماعية من الولادات والزواج وغيرها  تثير كوامنه فيعبر عنها، ويكون لسان حالها الناطق، أما في العصر الإسلامي فقد نجد أنّ المجتمع توسع شيئاً ما، فلم يعد المجتمع مقتصراً على قبيلة الشاعر فقد بل توسع ليشمل ما يضمه الإسلام فأصبح التعبير عن قضايا الإسلام ومقوماته وما يحيط ويحدث للمسلمين من قضايا في مقدمة أولوياته بل أصبح على الشعراء واجب رسمي يدافع من خلاله عن الرسول (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام) وعن الإسلام والمسلمين ومن جاء خلافه من الخلفاء.

     أما في العصر الأموي فقد أخذ الشاعر في هذا الجانب منحى مختلف عمّا كان عليه فقد أصبح الشاعر وسيلة أو أداة بيد الدولة تحركها كيف تشاء؛ وقد اتضح ذلك عبره استعمالها له في قضية النقائض في كونها تعبر عن قضايا اجتماعية شخصية بين كبار شعراء العصر وهم (جرير والفرزدق)؛ لكنها في حقيقتها قضية سياسية بحتة استعمل الحكام الشاعر لإشغال الناس به مع خصمه وتصرفهم في الدولة وإدارة مواردها بما يخدم مصالحهم الخاصة.

   أما في العصر العباسي وهو عصر التطور والانفتاح على العالم الآخر من خلال الامتزاج مع الفئات الاجتماعية المختلفة من الفرس والروم والهنود وغيرهم، فاختلطت الألسن، وتمازجت الثقافات، وتعددت الأنساب، فما كان من ذلك إلا تعدد القضايا الاجتماعية التي يعبر عنها الشاعر فلم تعد قضية قبيلة أو بيئة واحدة بل بيئات ممتزجة، فضلاً عن الحضارة العجيبة في مركز الدولة في بغداد فأصح الشاعر غني في التعبير عن تلك القضايا فضلاً عن الفسحة اللغوية لديه، فاختلطت اللغة باللغات الأخرى السائدة، وابتعد الشاعر عن القوة في الأسلوب، واجحاف الأنفس ليتناسب الأذن المتلقية غير العربية؛ لكونه متلقية وواعية مثلها مثل العربية، وجزء من المجتمع، فالتعبير منه وإليه.

  وهكذا سار الموقف مع الشاعر حتى العصر الحديث الذي تعددت فيه القضايا وتضاعف فيه العقد الاجتماعية فكان الشاعر مرافق لنقل واقع المجتمع شيئاً فشياً والابتعاد عن الخيال، ومن أهم القضايا التي أخذ الشاعر العربي يعبر عنها هي قضية الاستعمار وما يواجهه الإنساني في الوطن العربي من واقع مرير من فقر، وجوع وحرمان نقله الشعراء بصورة مؤلمة نابعة من نفس مواجهة لها، تعيش واقعيتها، وكان من أهم ما نقلها معروف عبد الغني الرصافي في المرضعة فهي صورة مؤلمة ماتزال عالقة في أذهاننا وغيرها من القضايا.

   أما في عصرنا الحالي فالشاعر يواجه موجه عارمة من القضايا التي تهتك بالمجتمع على اختلاف فئاته من عولمة مسيئة للقيم الأخلاقية والاجتماعية، وفساد سياسي واجتماعي، من فقر وحرمان، تحجر القلوب، ابتعاد عن الدين، محاربة المفسدين بسبب فسادهم وبخسهم حقوق الناس، انتهاك الحرمات، تعري أخلاقي وغيرها. فالشاعر في هذا العصر مغرق بالمعاني يجدها في الطرقات أينما حلّ به، والعاطفة منهمكة مشاركة في ذلك الواقع، والألفاظ يسيرة معبرة بصور حية بتشبيهاتها، واستعاراتها وكناياتها بل هي تمثيل واقعي بعيد عن المجاز.