م.د محمد طاهر اليساري
لم يعد فهم الوضع السياسي الراهن ممكنا دون الخوض في جغرافية النقل. لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية ثابتة للأحداث، بل أصبحت عنصراً أساسياً في تشكيل موازين القوى. فالعالم اليوم لا تحكمه العواصم السياسية فحسب، بل أيضا الطرق البحرية وخطوط الإمداد التي تتحكم في تدفق الطاقة والتجارة.
وتُعد الطرق البحرية، ومضيق هرمز على وجه الخصوص، من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 20% و30% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً تمر عبر هذا المضيق، أي ما يعادل حوالي 17 إلى 20 مليون برميل نفط يوميا. هذا الرقم وحده كافٍ لتوضيح النفوذ الهائل الذي يمكن أن تمارسه أي دولة قادرة على تهديد هذا الشريان الحيوي.
ولا يقتصر هذا على النفط فحسب، بل يشمل أيضا الغاز الطبيعي المسال، إذ تعتمد دول آسيوية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية على الإمدادات التي تمر عبر هذا الممر المائي. لذا، فإن أي اضطراب، حتى لو كان محدودا، في حركة الملاحة البحرية ينعكس فورا على أسعار الطاقة العالمية، كما شهدنا مرارا وتكرارا ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و15% في غضون أيام قليلة عند تصاعد التوترات.
في هذا السياق، برزت الجمهورية الإسلامية الايرانية كلاعب يدرك تماما قيمة موقعها الجغرافي. فبدلا من الاعتماد كليا على القوة العسكرية التقليدية، استغلت طهران موقعها المطل على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية. إن التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه ليس مجرد كلام، بل أداة ردع ذات تداعيات عالمية.
تجسد تصرفات إيران مفهوم “الخنق اللوجستي”، حيث لا يكمن الهدف في تدمير الخصم عسكرياً، بل في شله اقتصاديا من خلال تعطيل تدفقات الطاقة والتجارة. إن إغلاق المضيق، حتى نظريا، يؤدي إلى:
ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.
اضطراب سلاسل التوريد العالمية، لا سيما في الصناعات المعتمدة على الطاقة.
زيادة في تكاليف النقل البحري والتأمين بنسبة تصل إلى 30% أو أكثر.
تظهر هذه الأرقام أن تأثير جغرافية النقل قد يتجاوز في كثير من الأحيان تأثير العمليات العسكرية المباشرة.
وبتوسيع نطاق التحليل، نجد أن قناة السويس تُمثل مثالا آخر على هشاشة النظام العالمي أمام الاختناقات. يمر عبر هذه القناة ما يقارب 12% من التجارة العالمية، وقد أدى تعطلها لبضعة أيام فقط إلى خسائر تُقدر بنحو 9 إلى 10 مليارات دولار يوميا. يوضح هذا النموذج كيف يُمكن لنقطة جغرافية ضيقة أن تُؤثر على الاقتصاد العالمي برمته.
وينطبق الأمر نفسه على قناة بنما، التي يمر عبرها حوالي 5% من التجارة العالمية، مما يجعلها حلقة وصل حيوية بين المحيطين الأطلسي والهادئ. هذه الممرات المائية ليست مجرد طرق عبور، بل هي أدوات نفوذ يستخدمها من يسيطرون عليها أو يمكنهم التأثير فيها.
في ضوء ذلك، يُمكن فهم الصراعات السياسية الحالية على أنها صراعات على “مراكز جغرافية”. لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد، بل أيضا على الطرق التي تُنقل عبرها هذه الموارد. يُفسر هذا تصاعد التوترات في مناطق مثل الخليج العربي، حيث تتلاقى المصالح الدولية لتأمين تدفقات الطاقة.
وقد دفعت هذه الحقائق العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لتقليل اعتمادها على هذه الممرات المائية الحيوية. وتُستثمر مبالغ طائلة في:
خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية.
مشاريع برية وسكك حديدية تربط القارات.
موانئ بديلة وطرق جديدة لتوزيع المخاطر.
ولكن على الرغم من هذه الجهود، يبقى الواقع أن الجغرافيا لا يمكن تجاوزها بسهولة، وستظل بعض الممرات المائية نقاط اختناق استراتيجية لسنوات عديدة قادمة.
ويكشف استخدام إيران لهذا الأمر كورقة ضغط عن تحول عميق في طبيعة القوة. فالدولة التي قد لا تمتلك تفوقا عسكريا شاملا، يمكنها التعويض عن ذلك من خلال موقع جغرافي يمنحها نفوذا عالميا. وهذا يُعيد تعريف مفهوم القوة من قوة عسكرية بحتة إلى مزيج من الجغرافيا والاقتصاد والسياسة.
وختاما، يمكن القول إن العالم يمر حاليا بمرحلة يُعاد فيها تشكيل ميزان القوى بناءً على جغرافية النقل. لم تعد المضائق والقنوات مجرد ممرات مائية، بل أصبحت أدوات ضغط، وربما أسلحة غير تقليدية في الصراعات الدولية. فمن يملك القدرة على تهديد هذه الشرايين الحيوية، يملك القدرة على التأثير في النظام العالمي برمته، دون الحاجة إلى شن حرب شاملة.
وهنا تكمن الحقيقة الأهم:
في عالم مترابط اقتصاديا، قد يكون إغلاق مضيق واحد أشد خطورة من إشعال حرب شاملة.



