م.د. زهراء عبد الحميد غالي
تعد هذه المسرحية من أهم المسرحيات التي ظهرت في المسرح الفرنسي لكورني، عرضت في باريس عام 1636، وحققت نجاحًا منذ اللحظة الأَولى التي عرضت فيها، وأصبح جميع الناس يلهج فيها، ويردد عبارة ( إنّ هذا رائعٌ مثل السيد).
حين نتحدث عن “التنمية المستدامة”، ينصرف الذهن غالباً إلى الموارد الطبيعية والبيئية، إلا أن جوهر الاستدامة في عمقها الفلسفي يكمن في “ديمومة القيم” وقدرة المجتمعات على الحفاظ على رأسمالها الرمزي والبشري عبر الأجيال، وتعد مسرحية “السيد” لبيير كورني تجسيداً مبكراً لهذه الأخلاقيات، إذ لا يُقاس الفعل الدرامي بمكاسبه اللحظية، بل بمدى قدرته على حماية إرث الماضي وضمان استقرار المستقبل.
أولاً: استدامة القيمة ( الشرف كإرث غير ناضب)
- في عالم “السيد”، يمثل الشرف المورد الأساسي الذي تقتات عليه الطبقة الأرستقراطية، ومن منظور “أخلاقيات الاستدامة”، نجد أن الأبطال ( رودريغو وشيمين ) يتعاملون مع “الاسم العائلي” كمورد يجب ألا يُستنزف أو يُهان.
- التضحية بالرغبة مقابل الديمومة: إن قرار رودريغو بالمبارزة، وقرار شيمين بالمطالبة برأسه، هو في جوهره انحياز لـ “الزمن الطويل”. فالسعادة الفردية (الاستهلاك اللحظي للعاطفة) قد تدمر “الاستدامة الرمزية” للعائلة، لذا تبرز أخلاقيات الاستدامة هنا في تقديم “الواجب” كضمان لبقاء الكرامة عبر العصور والأجيال القادمة.
ثانياً: الإدارة الرشيدة للموارد البشرية (دور الملك)
يتجلى البعد السياسي للتنمية المستدامة في شخصية الملك “دون فرناندو”، الذي يمثل الملك سلطة “التدبير” التي تمنع تبديد الطاقات ومنها:
- الصراع بين رودريغو ووالد شيمين كان يهدد بإهدار كفاءات عسكرية كبرى، تدخل الملك يحول رودريغو من “قاتل مطلوب للعدالة” (طاقة مهدرة) إلى “منقذ للوطن” ضد المغاربة (طاقة منتجة).
- يدرك الملك أن إعدام بطل كـ “السيد” هو إفلاس عسكري للدولة، لذا يختار “استدامة الموهبة” وتوجيهها نحو حماية المجتمع، وهو ما يمثل ذروة الحكمة التنموية في إدارة الموارد البشرية.
ثالثاً: المقاربة التنموية لأخلاقيات البقاء
- الفعل الانفعالي (غير المستدام): المتمثل في “الصفعة” التي أدت للأزمة، وهي فعل فردي أناني يفتقر للرؤية المستقبلية.
- الفعل العقلاني (المستدام): المتمثل في حكم الملك النهائي، الذي فرض فترة “انتظار” (عام من الزمن). هذا الزمن هو “المساحة الزمنية” اللازمة لترميم الصدوع الاجتماعية وتحويل “الثأر” إلى “تعايش”.
رابعاً: استدامة “الدولة” فوق “الأنا”
تطرح المسرحية أنموذجاً للمجتمع الذي يسعى للانتقال من الفوضى الإقطاعية إلى الدولة المؤسساتية، وأخلاقيات الاستدامة هنا تفرض أن تكون مصلحة الجماعة (بقاء الدولة) مقدمة على النزاعات الفردية، أي رودريغو لا يصبح “السيد” إلا حين يدرك أن سيفه ملك للوطن لا لثأره الشخصي، وبذلك تتحول البطولة من فعل “ذاتي” إلى فعل “تنموي” يحمي كيان الأمة.



