د.سلام سلمان
يُعدّ الشعر الحسيني المنبري من أهم أنواع الأدب الديني في الثقافة الإسلامية، ولا سيما لدى المجتمعات التي تقيم مراسم استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف سنة 61 للهجرة، ويتميز هذا النوع من الشعر في أنه يلقى على المنابر الحسينية ضمن مجالس العزاء، وهو يجمع بين البعد الأدبي والوجداني والتربوي.
لا يقتصر الشعر المنبري على الرثاء والبكاء فحسب، بل يتعدى ذلك ليكوّن منظومة قيمة متكاملة تتمثل بـالعدل، والإصلاح، ومقاومة الظلم، ونصرة المظلوم، والتضحية، والإيثار. ومن هذا المنطلق تترسخ علاقته بمفهوم التنمية المستدامة.
وإذا ما عرفنا أن التنمية المستدامة هي العملية التي تسهم في تطوير المجتمع اجتماعيا واقتصاديا وبيئيا، فعليه يمكننا النظر في مضامين الشعر الحسيني المنبري، وربطها بهذه الأبعاد الثلاثة بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فعلى صعيد المجتمع يعزز الشعر الحسيني المنبري قيم العدالة والكرامة الإنسانية، ويعمل على نشر عبق ثورة الإصلاح التي عبّر عنها الإمام الحسين بقوله: إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).
كذلك يعمل على تنمية روح التكافل الاجتماعي من طريق استحضار معاني التضحية والإيثار.
وهنا تكمن فكرة الشعر الحسيني المنبري في ارتباطه بالتنمية المستدامة، إذ يعمل على بناء المنظومة الخلقية للإنسان، ما يجعله عنصرا فعالا محفزا لأبناء مجتمعه في جعلهم يستثمرون طاقاتهم في عملية البناء.
وإذا ما انتقلنا إلى الجانب الاقتصادي فسنرى أن الشعر المنبري هو جزء أساسي في المجالس الحسينية التي هي ليست مجرد مناسبات عاطفية، بل مراكز اجتماعية تُحفز العمل التطوعي والإنفاق الخيري الذي يشتمل على الصدقة ومساعدة الفقراء، ودعم المشاريع الخدمية، وخدمة المجتمع بروح المسؤولية، ويخلق هذا نوعا من الاستقرار الاجتماعي الذي يسبب ازدهارا فكريا وثقافيا.
وفيما يخص الجانب الاقتصادي الفردي، نستطيع القول: إن الشعر المنبري سيُكتب ويُطبع، وهذا سيعود بمردود مادي على الشاعر والخطيب والرادود والطبّاع ومكاتب الاستنساخ وغيرهم. ما يسهم بانتعاش الجانب الاقتصادي لهذه الفئات.
أما الجانب البيئي فلسنا نجانب الصواب إذا ما قلنا: إن الشعر المنبري له دور في الحفاظ على البيئة؛ وذلك عبر بث الوعي في المجتمع الحسيني الذي يقيم المواكب والمجالس الحسينية، في الحفاظ على البيئة التي هي عنصر من عناصر ديمومة الحياة. كما أن تنظيم المواكب والمجالس اليوم بات يسعى إلى تقليل الهدر، وحملات التنظيف بعد المراسم، وكذلك نشر الوعي البيئي بين المعزين والزائرين.
وبناء على ذلك يستطيع الشعر الحسيني المنبري أن يؤدي دورا توعويا من طريق إدخال مضامين تحث على النظافة، واحترام الموارد، وعدم الإسراف.
ويرتكز الشعر الحسيني المنبري على الوعي؛ فلو كان الخطاب واعيا ومواكبا للعصر، فإنه يعمل على معالجة قضايا مهمة مثل: الفساد، والبطالة، والتفكك الأسري، والعنف المجتمعي. وعليه يتحول المنبر الحسيني إلى منصة لبناء مجتمع متوازن مستقر، وهذا هو غاية التنمية المستدامة.
وفي الختام نستطيع القول: إن الشعر الحسيني المنبري هو شعر استمد قيمه الفكرية والأخلاقية من فكر الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو الفكر الإصلاحي الذي عمل على بناء مجتمع فعال يكون مرتكزا على منظومة أخلاقية متكاملة تسهم في بث الوعي لدى الأجيال اللاحقة ما يعزز التنمية المستدامة.



