النحو من وحي الإمام عليه السلام والبلاغة من نهج البلاغة

النحو من وحي الإمام عليه السلام والبلاغة من نهج البلاغة

إنّ أساس الخطاب في فعالية الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ـ من الناحية اللغوية ـ هوأساس نحوي ، ذلك لأن علياً عليه السّلام هوواضع النحوالعربي ، في منطلقه الأول .
قال لأبي الأسود الدؤلي ، حين أعرب عن ألمه من شيوع اللحن على اللسان العربي: اكتُبْ ما أُملي عليك . ثمّ أملى عليه أصول النحوالعربي ، ومنها أنّ كلام العرب يتركب من اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن معنىً ليس باسم ولا فعل . ثمّ أملى عليه أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر .
وفي خاتمة التوجيهات قال الإمام عليّ: يا أبا الاسود، انحُ هذا النحو. وهكذا أصبح عند العرب علم النحو.
من هنا ، كان الأساس النحوي للنص في خطب الإمام عليّ بن أبي طالب ، يُؤمّن القاعدة المادية لشبكة العلاقات الداخلية للنص ، التي يرتكز عليها البناء البلاغي للنص .
ولا شك في أن تكامل الأساس النحوي والبناء البلاغي قائم ـ أصلاً ـ على المحور الفكري للنص ، وهومحور المعاني والدلالات .
وإذ يستكمل الخطاب ( العَلَوي ) شروطه المادية ـ اللغوية ، وجماع علاقاته الداخلية ، فإنه يستكمل الوحدة القائمة بين نصّية النص ـ بمعناها الأدبي ـ والفضاء الروحي للنص .
أي إنّ النص يتوفر له البعدان الرمزيان للأرض والسماء في وحدتهما التامة .
أما المقوّم المادي الثاني للنص ، فهوالمقوّم الرياضي الذي يُستدلُّ عليه استدلالاً ، لأنه لا يعبّر على نحومباشر ، إلاّ بالنسبة إلى المتلقّي النابه .
إنّ الذهنية الرياضية النشطة ، والمبادِهة لعليّ سلام الله عليه ، تنعكس تأثيراتها على تعبيراته الأدبية ، بصورة الإتقان المحكم لعرض الأفكار ، وكذلك في تقديمه المتقن للبناء اللغوي والبلاغي للخطاب .
فالاتّساق الرياضي وارد في صلابة أفكاره ، وفي عظمة منطقه ، وبلاغته .
ومردُّ ذلك ثابت في معرفته العلمية بالحساب؛ تلك المعرفة التي كانت تكشف عنها سرعة البديهة في الجواب عن معضلات معقدة في المواريث والأقضية .
وذاعت الفريضة المنبرية التي أفتى بها وهوعلى منبر الكوفة ، حينما سُئل عن ميت ترك زوجة وأبوين وابنتين ، فأجاب من فَوره: صار ثُمنها تُسعاً .
وشكت ـ مرّةً ـ امرأة أنّ أخاها مات عن ستمائة دينار ولم يُقسم لها من ميراثه غير دينار واحد ، فقال لها بسرعة: لعله ترك زوجة وابنتين وأمّاً واثني عشر أخاً وأنتِ ؟ وكان الأمر كذلك .
فمعرفته بعلم الحساب كانت أكثر من معرفة فقيه يتصرف في معضلات المواريث ، لأنه كان سريع الفطنة إلى طُرقه التي كانت تعد في ذلك الزمن ألعازاً تكدّ في حلها العقول .
وإنّ الدلالة المشتركة للمفردات وللتعبيرات ، والتي يشترك في قولها وفي فهمها جمهرة الناس ، مثقفين وغير مثقفين ، هي توكيد للتفاهم بين أفراد المجتمع وللتعبير عن حاجاتهم الأساسية .
وقد أشبعت الكلمات والتعبيرات المشتركة تداولاً منذ بدء استعمالها ، فأصبح الوصول إلى المعنى من خلالها ممارسة اعتيادية ، ولكنْ أساسية .
والفارق بين الكلام العادي ، والأسلوب الأدبي ، ليس فارقاً في الاستعمالات اللغوية فقط ، بل هوفارق في دقة الاحتياز على المعاني ، ومن ثمَّ التعبير عنها .
فأُنيطت بالقدرة التعبيرية مسؤولية الإمساك بالمعاني والكشف عن الدلالات ، وإحراز أكبر نجاح في مخاطبة الآخرين والوصول إلى أذهانهم ونفوسهم .
ويتفاوت الكتّاب في مستويات الإبداع ،وتبعاً لذلك تتفاوت النصوص في ما تملكه من طاقة تعبيرية ،ومن جمالية أسلوبية .
قد انتقد ابن قتيبة في مقدمة( أدب الكاتب ) أولئك الذين لم يعطوا الأسلوب حقّه ، فقال :
« رأيت كثيراً من كتّاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة ، واستوطأوا مراكب العجز ، وأعفوا أنفسهم من كدّ النظر ، وقلوبهم من تعب الفكر ، حين نالوا الدَّرَك بغير سبب ، وبلغوا البُغية بغير آلة» .
وابن قتيبة مُحقّ ، لأننا لا نريد من الأديب أن ينقل إلينا المعاني وحدها ، فإن الغاية من الأدب ليست هي المعرفة وتقرير الحقائق ، بل نريد نقل المعاني ممزوجة بشعور الأديب ، باعثة لشعورنا ، وهذا لا يتأتّى إلاّ إذا كان التعبير فنيّاً .
ويُلخص ( الحوفي ) عدة صفات في تعبير الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام هي :
١ . تخيّر المفردات : بحيث تنسجم من الناحية الصوتية ، فتجيء خفيفة على اللسان ، لذيذة الوقع في الآذان ، موافقة لحركات النفس ، مطابقة للعاطفة التي أزجتها أوللفكرة التي أملتها .

كقوله في كتاب إلى عمّاله على الخراج: «إنكم خُزّان الرعية ، ووكلاء الأمة ، وسفراء الأئمّة» . وكقوله إلى معاوية: « لستَ بأمضى على الشك مني على اليقين» ،
وقوله : « كلما أطلَّ عليكم مَنسِر من مناسِر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه ، وانجحر انجحار الضبّة في حجرها ، والضَّبُع في وجارها» .

وقوله : « دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجَرْجَرتم جَرجْرَة الجَمل الأَسَرِّ ، ثمّ خرج إليَّ منكم جنَيْد وتذاؤب ضعيف» . وقوله: «من أبطأ به عمله ، لم يُسرع به حسبه» .

وقوله : « إن تقوى الله دواءُ داء قلوبكم ، وبَصَرُ عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دَنَس أنفسكم ، وجلاء غشاء أبصاركم ، وأمنُ فزع جأشكم ، وضياء سواد ظُلمتكم» .
٢ . قوّة التعبير: إذ أجمع علماء البيان العربي على أن الكلام إذا كان لفظه غثّاً ، ومعرضه رثّاً ، كان مردوداً ولواحتوى على أجلّ معنى وأنبله ، كما ذكر أبوهلال العسكري في ( الصناعتين ) .

وأجمعوا على أن الجزل القوي من الكلمات يستعمل في وصف الحروب ، وفي قوارع التهديد والتخويف ، وفي التنفيس عن الغضب والضيق وما شابه هذا .
وأما الرقيق منها ، فإنه يستعمل في وصف الأشواق ، وذكر أيّام الفراق ، وفي استجلاب المودّات ، واستدرار الاستعطاف وأشباه ذلك ( كما ورد في المثل السائر لابن الأثير الموصلي ) .
ومن السهل أن نجد كثيراً مما يتصف بالقوة والجزالة والفخامة في خطب الإمام عليّ وفي رسائله ، تعبيراً عن عواطفه وأفكاره التي تقتضي التعبير القوي الفخم الملائم لشدتها وقوتها وحرارتها.
ومن الأمثلة والنماذج قوله : « واللهِ لا أكون كالضَّبُع تنام على طول اللَّذم حتّى يصل إليها طالبها ، ويَخْتِلها راصدها ، ولكني أضرب بالمقبل على الحق المدبَر عنه ، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبداً ، حتّى يأتي علَيّ يومي».
وقوله : « ألا وإني لم أرَ كالجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربُها . ألا وإنه من لم ينفعه الحق يضرّه الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى يجُرْ به الضلال . ألا وإنكم قد أُمِرتُم بالظَّعن ، ودُللتم على الزاد ، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل» .
وقال في خطبة يخوِّف فيها أهل النهروان: «فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر ، وبأهضام هذا الغائط ، على غير بيّنة من ربكم ، ولا سلطان مبين معكم ، قد طوَّحت بكم الدار ، واحتبلكم المقدار . وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة ، فأبيتم علَيَّ إباءَ المخالفين المنابذين ، حتّى صرفتُ رأيي إلى هواكم ، وأنتم معاشر إخفاء الهام ، سفهاء الأحلام ، ولم آتِ ـ لا أباً لكم ـ بُجراً ، ولا أردتُ بكم ضُراً».
وقوله من خطبة له عند مسيره إلى البصرة: «إن الله سبحانه بعث محمداً صلّى الله عليه وآله ، وليس أحد من العربِ يقرأ كتاباً ، ولا يدَّعي نبوّة ، فساق الناس حتّى بوَّأهم محلَّتهم ، وبلَّغهم منجاتهم ، فاستقامت قناتهم ، واطمأنت صفاتهم . أما والله إن كنتُ لفي ساقتها حتّى تولّت بحذافيرها ما عجزتُ ولا جبنتُ ، وإن مسيري هذا لمثلها ، فلأنْقُبَنّ الباطل حتّى يخرج الحق من جنبه . ما لي ولقريش ؟! والله لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقاتلنّهم مفتونين» .
٣ . سهولة التعبير: مثل قوله في كتاب إلى عبدالله بن عباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر: «فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً ، وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً . وقد كنت حثثت الناس على لحاقه ، وأمرتهم بغيائه قبل الوَقْعه ، ودعوتهم سراً وجهراً ، وعوداً وبدءاً ، فمنهم الآتي كارهاً ، ومنهم المعتلّ كاذباً ، ومنهم القاعد خاذلاً» .
وقوله في رسالة إلى عمروبن العاص قبل التحكيم: «أما بعد ، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولن يصيب صاحبُها منها شيئاً إلاّ فتحت له حِرصاً يَزيده فيها رغبة ، ولن يستغني صاحبها بما نال عمّا لم يبلُغْ ، ومن وراء ذلك فراقُ ما جمع . والسعيد من وُعِظ بغيره ، فلا تُحبط ـ أبا عبدالله ـ أجرك ، ولا تُجارِ معاوية في باطله ، والسلام» .
وقوله في خطبة له بعد أن بلغه مقتل محمّد بن أبي بكر: «اسمعوا قولي ، وأطيعوا أمري ، فوالله لئن أطعتموني لا تَغوون ، وإن عصيتموني لا ترشدون . خذوا للحرب أُهْبَتها ، وأعدّوا لها عُدَّتها ، فقد شبَّت نارها . . . إلاّ إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى في الجدَّ في غيِّهم وضلالتهم من أهل البِرّ والزهادة والإخبات في حقهم وطاعة ربهم . إني والله لولقيتهم فرداً وهم مِلاءُ الأرض ما باليتُ ولا استوحشتُ ، وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه لَعلى ثقة وبيّنة ويقين وبصيرة . فانفروا خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» .
٤ . قِصَر الفقرات: مثل قوله لما أغار النعمان بن بشير الأنصاري على عين التَّمر :
« مُنيتُ بمن لا يطيع إذا أمرت ، ولا يجيب إذا دعوت . لا أباً لكم! ما تنتظرون بنصركم ربكم ؟ أما دينٌ يجمعكم ، ولا حَمِيّة تُحمِشكم؟! أقوم فيكم مستصرخاً ، وأُناديكم مُتَغوّثاً ، فلا تسمعون لي قولاً ، ولا تطيعون لي أمراً ، حتّى تكشف الأمور عن عواقب المساءة ، فما يُدرَك بكم ثأر ، ولا يُبلَغ بكم مرام . دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ ، وتثاقلتم تثاقل النضْوالأْبَر . . .» .
وقوله : « فتداكّوا علَيّ تداكَّ الإبل الهِيم يوم وِردها ، وقد أرسلها راعيها ، وخُلعت مثانيها ، حتّى ظننتُ أنهم قاتليَّ ، أوبعضهم قاتل بعض لديَّ . قد قلّبت هذا الأمر بطنَه وظهره ، حتّى منعني القوم ، فما وجدتني يسعني إلاّ قتالهم أوالجحود بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وآله ، فكانت معالجة القتال أهون عليَّ من معالجة العقاب ، ومَوْتاتُ الدنيا أهونَ عليَّ من مَوْتات الآخرة» .
وقوله في كتاب إلى أمراء جيوشه: «ألا وإنّ لكم عندي ألاّ أحتجز دونكم سراً إلاّ في حرب ، ولا أطوي دونكم أمراً إلاّ في حُكم ، ولا أُؤخّر لكم حقاً عن محله ، ولا أقفُ به دون مقطعه ، وأن تكونوا عندي في الحق سواء . فإذا فعلتُ ذلك وَجَبَت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة ، وألا تنكصوا عن دعوة ، ولا تُفرّطوا في صلاح ، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق» .
٥ . كثرة الصيغ الإنشائية : وهي : « الأمر والنهي ، والاستفهام ، والترجي والتمني ، والنداء والقسم والتعجب» ، وهي: أقوى من الصِّيغ الخبرية تجديداً لنشاط السامعين ، وأشد تنبيهاً وأكثر إيقاظاً ، وأدعى إلى مطالبتهم بالمشاركة في القول وفي الحكم . وهي في الوقت نفسه أدق في تصوير مشاعر الخطيب وأفكاره ، لأن أفكاره ومشاعره المتنوعة في حاجة إلى أساليب متغايرة تفصح عنها .
ثمّ إن مغايرة الأساليب تستتبع مغايرة في نبرات الصوت وفي الوقفة والإشارة وطريقة الإلقاء ، وهذا كله عون على الوضوح من ناحية ، وعلى التأثير في السامعين من ناحية.

أمثلة ونماذج
أ ـ من الأمر
قوله : « فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حُثالة القَرَظِ» ، وقوله : « فاعتبروا بما أصاب الأممَ المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ، ووقائعه ومثلاته . واتعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا بالله من لواقح الكِبْر ، كما تستعيذون من طوارق الدهر» . وقوله : « ليتأسَّ صغيركم بكبيركم ، وليرأف كبيركم بصغيركم» .
ب ـ ومن النهي
قوله : « فلا تجلعنَّ للشيطان فيك نصيباً ، ولا عن نفسك سبيلاً» .
وقوله : « ألا وإن الآخرة قد أقبلت ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا» .
وقوله : « لاتقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحقَّ فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه» .
وقوله : « لا تُرَخِّصوا لأنفسكم ، فتذهب بكم الرَّخص مذاهب الظلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المعية . . . ولا تَحاسدوا ، فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النارُ الحطب ، ولا تَباغضوا ، فإنها الحالقة» .
وقوله : « فلا يغرنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنما هوظل ممدود ، إلى أجَل معدود » .
وقوله : « فإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا» .
وقوله : « عباد الله ، لا تركنُوا إلى جهالتكم ، ولا تنقادوا إلى أهوائكم » .
وقوله: «لا يؤنِسنّك إلاّ الحقّ ، ولا يوحشنَّك إلاّ الباطل» .
وقوله : « فلا تنفروا من الحق نفارَ الصحيح من الأجرب» .
وقوله : « فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ، ولا تتحفظوا مني بما يُتحفَّظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنوا بي استثقالاً في حقَّ قيل لي . . . فلا تكفّوا عن مقالة بحق ، أومشورة بعدل» .
ج ـ ومن الاستفهام
قوله : « أبعد إيماني برسول الله صلّى الله عليه وآله ، وهجرتي معه ، وجهادي في سبيل الله ، أشهد على نفسي بالكفر؟ ! لقد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين!» .
وقوله : « أصبحت والله لا أصدّق قولكم ، ولا أطمع في نصركم ، ولا أُوعد العدوبكم . ما بالكم ؟ ما دواؤكم ؟ ما طبّكم ؟!القوم رجال أمثالكم . أقولاً بغير علم ؟وغفلة من غير ورع ؟ وطمعاً في غير حق ؟!» .
وقوله : « أيها الناس ، إن الوفاء توأم الصدق ، ولا أعلم جُنّة أوقى منه . . ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثرُ أهله الغدرَ كيْساً ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حُسن الحيلة . ما لهم ؟ قاتلهم الله! قد يرى الحُوّل القُلَّب وجه الحيلة ، ودونها مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين».
وقوله : « هل يُحسّ به ـ ملك الموت ـ إذا دخل منزلاً ؟ أم تراه إذا توفّى أحداً ؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن أمه ؟ أيلج عليه من بعض جوارحها ؟ أم الروح أجابته بإذن ربها ؟ أم هوساكن معه في أحشائها ؟ كيف يصف إلهَه من يعجز عن صفة مخلوق مثله؟!» .
وقوله : « أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى ، والأبصار اللامحة إلى منازل التقوى ؟ أين القلوب التي وُهِبَتْ لله ، وعوقدت على طاعة الله ؟!» .
د ـ ومن الترجّي
قوله : « فاسمعوا قولي ، وعُوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تُنتضى فيه السيوف» . و«لعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة» .
وقوله : « لا تعجل في عيب أحد بذنبه؛ فلعلّه مغفور له ، ولا تأمن على نفسك صغير معصية ، فلعلّك معذّب عليه» .
وقوله : « هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ! ولعل بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القُرص ، ولا عهد له بالشِّبع» .
هـ ـ ومن التمنّي
قوله : « يا أشباه الرجال ولا رجال ، لَوددتُ أنّي لم أركم ، ولم أعرفكم» .
وقوله : « قد دارستكم الكتاب ، وفاتحتكم الحجاج ، وعرّفتكم ما أنكرتم ، وسوَّغتكم ما مججتم ، لوكان الأعمى يلحظ ، أوالنائم يستيقظ» .
وومن النداء
قوله : « أيها الناس ، شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة . .» .
وقوله : « فاتقوا الله عباد الله ، وفِرّوا إلى الله من الله» . وقوله : « أيها الناس المجتمعةُ أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يُوهي الصمَّ الصِّلاب ، وفعلكم يُطمِعُ فيكم الأعداء» .
وقوله : « أيها الناس ، إنا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن كنود» .
زـ ومن القسَم
( قوله: « والله ما أنكروا عليَّ منكراً ، ولا جعلوا بيني وبينهم نَصَفاً» .
وقوله : « أما والله ما أتيتكمُ اختياراً ، ولكن جئت إليكم شوقاً» .
وقوله: «ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم ، لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقةِ لاعق» .
وقوله: «أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر . . لألقيتُ حبلَها على غاربها . .» .
وقوله : « لعمري ، لوكنا نأتي ما أتيتُم ما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ للإيمان عود . . وايمُ الله ، لتحتلبُنّها دماً ، ولتتبعُنَّها ندماً» .
وقوله: «والله لوقتلتم على هذا دجاجة لَعظُم عند الله قتلها ، فكيف بالنفس التي قتلُها عند الله حرام ؟!» .
ح ـ ومن التعجب
قوله : « سبحانك ما أعظم شأنك! سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك! وما أصغر كلّ عظيمة في جنب قدرتك! وما أهَولَ ما نرى من ملكوتك ! وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك! وما أسبغَ نعمَك في الدنيا ، وما أصغرَها في نِعم الآخرة!» .
وقوله : « استتمّوا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته ، فإن غداً من اليوم القريب!» .
وقوله : « ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر ، وأسرع الشهور في السنة ، وأسرع السنين في العمر!» .
وقوله : « فيا عجباً ! عجباً والله يميت القلب ، ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم» .
وقوله : « فيا عجباً للدهر إذ صرتُ يُقرنُ بي من لم يَسعَ بقَدَمي ، ولم تكن له كسابقتي . .» .
٦ . السجع والترسُّل: قوله في إحدى خطبه: «فلْيقبل امرؤ كرامة بقبولها ، وليحذر قارعة قبل حلولها ، ولينظر امرؤ في قصير أيامه ، وقليل مُقامه في منزل حتّى يستبدله به منزلاً ، فليصنع لمتحوّله ، ومعارف منتقله . فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه ، وتجنّب من يُرديه ، وأصاب سبيل السلامة ببصرِ من بَصَّره ، وطاعة هاد أمره ، وبادر الهُدى قبل أن تُغلق أبوابه ، وتُقطَع أسبابه ، واستفتح التوبة ، وأحاط الحَوْبة ، فقد اُقيم على الطريق ، وهُدِيَ نهج السبيل» .
وقوله : « وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالدين المشهور ، والقلم بالمأثور ، والكتاب المسطور ، والنورِ الساطع ، والضياء اللامع ، والأمر الصادع ، إزاحة للشبهات ، واحتجاجاً بالبيّنات ، وتحذيراً بالآيات ، وتخويفاً بالمثُلات ، والناس في فتنٍ انجَذمَ فيها حبل الدين ، وتزعزعت سواري اليقين ، واختلف النَّجر ، وتشتت الأمر ، وضاق المخرج ، وعَميَ المصدر ، فالهدى خامل ، والعَمى شامل . .» .
ومن قوله لما أنكر عليه الخوارج تحكيم الرجال: «إنّا لم نُحكّم الرجال ، وإنما حكّمنا القرآن ، هذا القرآن إنما هوخط مستور بين الدفّتين ، لا ينطق بلسان ، ولابد له من ترجمان ، وإنما ينطق عنه الرجال . ولمّا دعانا القوم إلى أن نُحكّم بينا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله سبحانه وتعالى ، وقد قال الله تعالى عزّ من قائل: فإنْ تنازْعتُم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرسول ، فردُّه إلى الله أن نحكم بكتابه ، وردُّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته ، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحقُ الناس به ، وإن حكم بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله فنحن أحق الناس وأولاهم بها . وأما قولكم: لمَ جعلتَ بيننا وبينهم أجلاً في التحكيم ؟ فإنما فعلتُ ذلك ليتبين الجاهل ، ويثبت العالم ، ولعل الله أن يُصلح في هذه الهُدنة أمر هذه الأمة ، ولا تؤخذ بأكظامها . .».
وقوله : « من ترك الجهاد في الله ، وأدهَنَ في أمره ، كان على شفا هُلكه ، إلاّ أن يتداركه الله بنعمة . فاتقوا الله ، وقاتلوا من حادَّ الله ، وحاول أن يطفئ نوره . قاتلوا الخاطئين الضالّين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقرّاء للقرآن ، ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام . والله لووَلّوا عليكم لعملوا فيكم أعمال كسرى وهرقل . تيسّروا وتهيأوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب ، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة لِيقْدموا عليكم ، فإذا قدموا فاجتمعتم ، شخصنا إن شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله» .
٧ . التوازن: كثيراً ما تجيء الجُمل في نهج البلاغة متوازنة ، بأن يتساوى عدد كلماتها ، أوتتماثل أوزان نهاياتها ، وهذا ضرب آخر من موسيقى التعبير ، ويحبّب إلى السمع ، ويقرّبُه إليه .
ومن الموازنة قول الإمام عليّ عليه السّلام: «لم يَؤدْه خلقُ ما ابتدأ ، ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقفَ به عجزٌ عمّا خلق ، ولا ولَجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر ، بل قضاء متقن ، وعلم مُحكم ، وأمر مبرم . . » .
وقوله : « إنّ غاية تنقصها اللحظة ، وتهدمها الساعة ، لجديرة بقِصر المدة . وإن غائباً يَحْدره الجديدان الليل والنهار ،لحريّ بسرعة الأوبة . وإن قادمة يقدم بالفوز أوالشِّقوة ، لمستحق لأفضل العدة . فيا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة ، وأن تؤديه أيامه إلى الشِّقوة! نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تُبطره النعمة ، ولا تُقصِّر به عن طاعة ربه غاية ، ولا تحلُّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة» .
وكذلك قوله : « إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا ، ويشتد حزنهم وإن فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسَهم وإن اغتبطوا بما رُزقوا . .» .
وقد يجيء التوازن في داخل الجمل لا في نهاياتها ، فيؤلف انسجاماً في نطق الكلمات وفي سماعها ، مثل قوله : « الحمد لله غيرِ مقنوط من رحمته ، ولا مخلومن نعمته ، ولا ميؤوس من مغفرته ، ولا مستنكَف عن عبادته ، الذي لا تبرح منه رحمة ، ولا تُفقَد له نعمة» ، فإنّ هنا موازنةً بين مقنوط ومخلووميؤوس .
٨ . الجناس ، الطباق ، والمقابلة ، والتوشع . . كما استعرض الدكتور الحوفيّ أمثلة عديدة عن الخيال البياني في خطب الإمام عليّ بن أبي طالب ورسائله ـ وما تعتمده من ( التشبيه ) و( الاستعارة ) و( الكناية ) و( المجاز ) ـ وهي عُدّة الشاعر والخطيب والكاتب ، التي برع فيها الإمام عليّ براعة منقطعة النظير ، في شتى شؤون المعرفة ، والعقل ، والنفس ، وفي مختلف قضايا البشر ، والدين والدنيا .

مزيّة خاصة
إنّ نهج البلاغة ـ كما يقول ابن أبي الحديد ـ إذا تأملته ، «وجدتَه كلَّه ماءً واحداً ، ونَفَساً واحداً ، وأسلوباً واحداً ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية» . . وهوـ في عظمته الأسلوبية ـ يحتوي على عبقرية الحُسن اللفظي ، تلك العبقرية التي تتمثل في علاقة اللفظة بالأخرى ، والتي تَرِد في خطب ، وفقرات ممتازة التميّز ، تأخذ فيها اللفظة بعنق قرينتها ، جاذبة إياها إلى نفسها ، دالة عليها بذاتها» .
وذلك باعتراف جعفر بن يحيى ، الذي كان من أبلغ الناس وأفصحهم ، كما رأى الجاحظ .
قال الجاحظ: حدثني ثمامة ، قال: سمعت جعفر بن يحيى ـ وكان من أبلغ الناس وأفصحهم ـ يقول: الكتابة بضم اللفظة إلى أختها ، ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر ـ وقد تفاخر ـ: أنا أشعر منك ، لأني أقول البيت وأخاه ، وأنت تقول البيت وابنَ عمه . ثم وناهيك حسناً بقول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «هل من مناص أوخلاص ، أومعاذٍ أوملاذ ، أوفرار أومحار».
قال أبوعثمان ( الجاحظ ): وكان جعفر يُعجَب أيضاً بقول الإمام عليّ عليه السّلام:
« أين من جدّ واجتهد ، وجمع واحتشد ، وبنى فشيّد ، وفرش فمهّد ، وزخرف فنجّد ؟!» .
قال : « ألا ترى أنّ كل لفظة منها آخذة بعنق قرينتها ، جاذبةٌ إياها إلى نفسها ، دالّة عليها لذاتها» .
وقد روى هذا كلَّه أيضاً ابن مسكويه في كتابه ( الحكمة الخالدة ) بأسلوب آخر عن جعفر بن يحيى ، والفقرات التي حكى الجاحظ إعجاب جعفر بن يحيى بها ، وهي ( هل من مناص أوخلاص . . إلخ ) هي من بعض فصول هذه الخطبة .
أما الفقرات التي اُعجب بها جعفر وهي ( أين من جد واجتهد . . الخ ) فهي من خطبة أخرى ذكرها ابن عبد ربه في ( العِقد الفريد ) .
وأوّلها : أوصيكم عبادَ الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته ، وبتقديم العمل ، وترك الأمل ، فإنه من فرَّط في عمله ، لم ينتفع بشيء من أمله . . .» .

****************************