دوافع الانقلاب العسكري في تركيا

بقلم: م. م. حسين باسم عبد الأمير

مركز الدراسات الاستراتيجية – قسم الدارسات الدولية

تموز/يوليو 2016

إن ما حصل ليلة 15 تموز/يوليو بالتأكيد لم يكن ما يقصده الرئيس رجب طيب أردوغان عندما أعلن مسبقا أنه يسعى إلى إحداث نقلة وتحوّل في تركيا!!. فإن نزول الدبابات وتراشق العيارات النارية في شوارع أنقرة يُمثّل المحاولة الخامسة للجيش التركي في القيام بانقلاب عسكري منذ العام 1960. وعلى الرغم من عدم نجاح هذه المحاولة، إلّا أنها طعنت باستقرار حركة اردوغان السياسية وحكومته المنتخبة!!

في الواقع، قبل أن تسيطر على تركيا الانعطافة الاستبدادية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، ظن الكثيرون أن رئيس حزب العدالة والتنمية (AKP) سوف يدخل التاريخ بوصفه الزعيم الذي تمكن أخيرا من ترويض الجيش التركي وحل الصراع المستمر منذ عقود في البلاد مع الأكراد. ولكن، يبدو أن مثل هذه الآمال الآن في غير محلها بشكل سافر.

إن العلاقة بين الجيش التركي والحكومة ما تزال تحمل بين ثناياها العديد من القضايا التي تعمّق الخلاف بينهما: تبتدأ باستبداد أردوغان المتزايد، مرورا بتعرجات المسألة الكردية المتكررة، وكذلك تركز سياسته الخارجية العدائية في الشرق الأوسط، ونفور حلفاء تركيا الغربيين التقليديين، انتهاءً بالمساعي المستمرة لإضعاف قيادة القوات المسلحة.

هذه الأحداث دفعت بالجيش التركي ليبرز على المشهد السياسي من جديد بعد سنوات عديدة من التهميش خلال حكم “السلطان أردوغان“. إن الانقسامات بين الجيش التركي وأردوغان لها تاريخ طويل، غير أنها تضاعفت اليوم بسبب الأحداث المضطربة الجارية داخل وخارج البلاد.

إن الرئيس الحالي لتركيا لم يثق أبدا برؤى وتصورات الجيش ونظر إليها على أنها بمثابة تحدٍّ لطموحاته الإمبراطورية النهمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن اندلاع الحرب في سوريا والعمليات الجارية ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد دفعا بأردوغان للتصالح نسبيا مع المؤسسة العسكرية التي عاودت البروز كقوة مؤثرة.

وقد توقع “مايكل روبن” – الباحث في معهد أميركان إنتربرايز – حدوث انقلاب عسكري منذ آذار الماضي، وذلك قبل حصوله في تركيا[1] فعلا، حيث قال: وفقا للخبراء، فإن «الأتراك – والجيش التركي – يُقرّون بشكل متزايد في أن أردوغان يدفع بتركيا إلى الهاوية». ويعتقد روبن «أن أردوغان دفع بتركيا للسير في طريق لا يمتلك أي فرصة للفوز، مع احتمال عالٍ للتقسيم الفعلي». وقد أضاف روبن قائلاً: «إذا تحرك الجيش التركي للإطاحة بأردوغان، فمن المشكوك فيه أن تقوم إدارة أوباما بأكثر من توبيخ قادة الانقلاب، ولا سيما إذا كانوا سيضعون البلاد على الفور على مسار واضح لاستعادة الديمقراطية. فلا تركيا ولا اليونان فقدت عضويتها في حلف شمال الأطلسي بعد الانقلابات».

وقد كتب “ديون نيسينباوم” – خبير الأمن القومي الأمريكي، والذي يستقر في واشنطن – في مقاله الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، قائلا: «إن استعادة نفوذ الجيش التركي قد بعث المخاوف لدى كافة مفاصل الدولة وصولا إلى القصر الرئاسي، حيث يحاول الجنرالات إسقاط أردوغان الذي شن حملة واسعة النطاق ضد المعارضة المحلية، وهذا ما أثار قلقا في العواصم الغربية، وفقا لأشخاص مطلعين على الأمر».

في الواقع، لقد كان الجيش التركي ولمدة طويلة ينظر لنفسه على أنه «الوصي على الديمقراطية التركية»، والمسؤول عن الحفاظ على الدولة العلمانية التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة. وقد تدخل في السياسة التركية بشكل مباشر ثلاث مرات في الأعوام (1960 و 1971 و 1980). أما في العام 1997، فقد نفذ الجيش ما وصفه بعض العلماء بأنه «انقلاب ما بعد الحداثة». حيث أصدر الجيش في ذلك الوقت سلسلة من «التوصيات»، التي جردت الحكومة من الخيارات واضطرتها فقط للقبول. أما الخامس والأخير، فهو المحاولة التي جرت ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو والتي كُتب لها الفشل.

دوافع الإنقلاب العسكري:

هناك شعور واسع غير متماهٍ مع نتائج الانتخابات بأن الرئيس رجب طيب أردوغان هو بالفعل خارج نطاق السيطرة، عبر تضييقه الخناق على المعارضة وسجنه للمعارضين والاستيلاء على الصحف التركية وبنائه القصور على شاكلة السلاطين الطامحين للخلافة، كما أنه كان قد هدد أكثر من مرة بحل المحكمة الدستورية.

محاولة إضعاف قيادة الجيش عبر إصدار الحكومة لقرار فصل القيادة العامة للدرك أو الجندرمة – قوة الشرطة الريفية شبه العسكرية في تركيا – من هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية وضمها إلى وزارة الداخلية. فقد كان هذا القرار عبارة عن محاولة لتعبئة صفوف الدرك مع أنصار حزب العدالة والتنمية لإحداث التوازن مع الجيش.

معارضة القادة العسكريين لتوجهات وخطط أردوغان الاستراتيجية في إنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا وإرسال قوات عسكرية تركية إلى سوريا والعراق.

خلال الأعوام 2008-2011 جرت “محاكمات ايرجينيكون”، وهي سلسلة من جلسات المحاكم رفيعة المستوى تم خلالها اتهام 275 شخصا بالتآمر ضد الحكومة التركية، بينهم ضباط في الجيش وصحفيون ونواب معارضة. حيث زُعم بأنهم جميعا أعضاء في منظمة ايرجينيكون، وهي منظمة سرية علمانية. وقد أسفرت المحاكمات عن أحكام سجن مطولة لغالبية المتهمين. وفي عام 2010، اعتقلت الشرطة التركية مئات من المسؤولين العسكريين الحاليين والسابقين المتهمين بالتآمر للإطاحة بحكومة أردوغان، وأرسلت المئات منهم إلى السجن، غير أن القضايا انهارت في نهاية المطاف.

وأضاف «انقلاب القصر/2016» امتعاضا آخر. فبعد قرار رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بالتنحي عن التنافس على السلطة ضد أردوغان بعد اجتماع الحزب الاستثنائي يوم 22 مايو وعدم الترشح للمنصب مرة أخرى، جعل منتقدي أردوغان يصفونه بأنه «انقلاب القصر» الذي من شأنه أن يتيح للرئيس توطيد وتركيز سلطته.

استشراء الفساد. على سبيل المثال، كُتِبَ بأن “بلال”– ابن الرئيس أردوغان – كان قد فرّ إلى إيطاليا بجواز سفر دبلوماسي سعودي مزور، وقد أغلقت الشرطة الإيطالية الموضوع بعد فضيحة غسل الأموال المزعومة.

ونفس الأمر ينطبق على الصحافة. فقد أيّد الكثير من الأتراك أردوغان في عدائه للجيشفي بادئ الأمر واعتقدوا بأن التزامه بالإصلاح كان حقيقيا. ومع ذلك، سرعان ما تأكدوا بأن أردوغان لم يسع إلى وجود صحافة حرة؛ إذ أصبح حتى الانتقاد البسيط يمكن أن يعني مشكلة قانونية. إن تركيا اليوم لديها أكثر نسبة للصحفيين ممن يقبعون داخل السجون عند المقارنة مع أي دولة أخرى.

عانت سياسته اتجاه المسألة الكردية من نفس السخرية. فقد وجد الأكراد الأمل في وعود أردوغان بحل المظالم التي عانوا منها لعقود طويلة، حتى أنه بدأ مفاوضات سرية مع عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني المحظور (PKK). غير أن وعود أردوغان كانت تتراجع بعد كل انتخابات. ومع ذلك، وعندما استجاب الأتراك ذوي الأصول الكردية بالتصويت لحزب الشعب الديمقراطي (HDP)، وهو حزب عرقي بأغلبية ساحقة بدلا من حزب العدالة والتنمية، التف عليهم بكل ما يمتلك من أدوات الانتقام.

ومع ذلك، فقد تتعلق المشكلة الأكبر بسياسة أردوغان الخارجية. فقد وعد “بتصفير المشاكل مع الجيران”، غير أنه وعلى أرض الواقع أزّم علاقات تركيا مع كل جيرانها تقريبا. ومن بين المخرجات السريعة لهذا التأزيم، هو تضرر الاقتصاد والسياحة التركية. بينما المخرجات البطيئة لهذا التأزيم تنذر بالخطر ما لم يتم اعتماد سياسة خارجية تسعى إلى حل المشاكل الخارجية مع البيئة المحيطة بتركيا بشكل حقيقي.

إن موجة الإرهاب الأخيرة قد تكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد عزز أردوغان الطائفية في عموم المنطقة، كما أن عداءه الشخصي اتجاه كل من أكراد سوريا ونظام بشار الأسد أدى به إلى رؤية الجماعات المتطرفة داخل سوريا مثل جبهة النصرة، وحتى تنظيم “الدولة الإسلامية”، كأدوات مفيدة!!

إن الهجمات الانتحارية المتكررة في أنقرة واسطنبول، أقنعت العديد من الأتراك بأن الأمن والسلام اللذين وعد بهما أردوغان ليسا سوى وهم في ظل سياسته الخارجية الراهنة.

إن المسألة ليست مجرد تدهور الأمن وسط موجة من الإرهاب. إن مشاكل الاقتصاد التركي طفحت إلى السطح،فديون القطاع الخاص هي خارجة عن السيطرة، وقطاع السياحة في تراجع مستمر وكأنه سقط سقوطا حرا، وانخفاض قيمة العملة قد أثر على القوة الشرائية لكافة المواطنين؛ بسبب زيادة الضغوط على البنك المركزي والعواصف السياسية، ومعدل النمو السنوي في تركيا المتباطئ فعلا.

لقد أدّت احتجاجات العام 2013، واتهامات الحكومة بالفساد، والانتخابات الرئاسية للعام 2014، واثنان من الانتخابات العامة في عام 2015، إلى وضع الاقتصاد التركي تحت الضغط. فبعد أن كان معدل النمو السنوي في تركيا منذ مايقارب الـ 50 عاما هو بمتوسط 4.5٪، نجده في السنوات الأربع الماضية تراجع إلى 3٪، وقد حذّر الاقتصاديون من التأخر في الإصلاحات الهيكلية، إذ إن رؤية أردوغان الاقتصادية قد تدفع إلى معدلات نمو أقل، وهو ما خلق أزمة. وفي هذا الصدد يقول “كامل يلماز” أستاذ الاقتصاد في جامعة كوتش: «لقد تباطأ الاقتصاد في تركيا لعدم تنفيذ إصلاحات هيكلية؛ بسبب التطورات السياسية في السنوات الثلاث الماضية. وإن المزيد من تباطؤ الاقتصاد أمر لا مفر منه في ظل هذه الظروف»[2].

الخلاصة:

إن الذين خططوا للانقلاب يُفترض أنهم اعتقدوا أنهم يقومون بإنقاذ تركيا من القيادة المؤدلجة الخارجة عن السيطرة. فقد وعد أردوغان بأنه سيحكم باسم جميع الأتراك ونيابة عنهم، ولكنه – بشكل متزايد – لم يفعل ذلك. وكان أيضا قد وعد بإصلاح الاقتصاد، غير أن الفساد مستشرٍ والعملة مهزوزة والركود الاقتصادي يلوح في الأفق. وكذلك وعد بتحقيق السلام، ولكن سياساته العدائية عزلت تركيا في منطقة الشرق الأوسط وفصلتها عن الغرب أيضا. ووعد ببسط الأمن، إلا أن مخاوف الأتراك في تزايد جراء التفجيرات الأخيرة، والتي ينظرون إليها بأنها ليست سوى غيض من فيض. وهكذا – وفي الوقت نفسه – يبدو أن مدبري الانقلاب العسكري الأخير كانوا يعتقدون بأن استمرار أردوغان بتركيز السلطة جعل الانقلاب المسلح هو فرصتهم الأخيرة.


[1]http://europe.newsweek.com/will-there-be-coup-against-erdogan-turkey-439181?rm=eu

[2]http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/05/turkey-ambiguity-around-economy-creates-concern.html

لمزيد من المعلومات حول الموضوع يرجى مراجعة الرابط التالي :

دوافع الانقلاب العسكري في تركيا

دوافع الانقلاب العسكري في تركيا

بقلم: م. م. حسين باسم عبد الأمير

مركز الدراسات الاستراتيجية – قسم الدارسات الدولية

تموز/يوليو 2016

إن ما حصل ليلة 15 تموز/يوليو بالتأكيد لم يكن ما يقصده الرئيس رجب طيب أردوغان عندما أعلن مسبقا أنه يسعى إلى إحداث نقلة وتحوّل في تركيا!!. فإن نزول الدبابات وتراشق العيارات النارية في شوارع أنقرة يُمثّل المحاولة الخامسة للجيش التركي في القيام بانقلاب عسكري منذ العام 1960. وعلى الرغم من عدم نجاح هذه المحاولة، إلّا أنها طعنت باستقرار حركة اردوغان السياسية وحكومته المنتخبة!!

في الواقع، قبل أن تسيطر على تركيا الانعطافة الاستبدادية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، ظن الكثيرون أن رئيس حزب العدالة والتنمية (AKP) سوف يدخل التاريخ بوصفه الزعيم الذي تمكن أخيرا من ترويض الجيش التركي وحل الصراع المستمر منذ عقود في البلاد مع الأكراد. ولكن، يبدو أن مثل هذه الآمال الآن في غير محلها بشكل سافر.

إن العلاقة بين الجيش التركي والحكومة ما تزال تحمل بين ثناياها العديد من القضايا التي تعمّق الخلاف بينهما: تبتدأ باستبداد أردوغان المتزايد، مرورا بتعرجات المسألة الكردية المتكررة، وكذلك تركز سياسته الخارجية العدائية في الشرق الأوسط، ونفور حلفاء تركيا الغربيين التقليديين، انتهاءً بالمساعي المستمرة لإضعاف قيادة القوات المسلحة.

هذه الأحداث دفعت بالجيش التركي ليبرز على المشهد السياسي من جديد بعد سنوات عديدة من التهميش خلال حكم “السلطان أردوغان“. إن الانقسامات بين الجيش التركي وأردوغان لها تاريخ طويل، غير أنها تضاعفت اليوم بسبب الأحداث المضطربة الجارية داخل وخارج البلاد.

إن الرئيس الحالي لتركيا لم يثق أبدا برؤى وتصورات الجيش ونظر إليها على أنها بمثابة تحدٍّ لطموحاته الإمبراطورية النهمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن اندلاع الحرب في سوريا والعمليات الجارية ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد دفعا بأردوغان للتصالح نسبيا مع المؤسسة العسكرية التي عاودت البروز كقوة مؤثرة.

وقد توقع “مايكل روبن” – الباحث في معهد أميركان إنتربرايز – حدوث انقلاب عسكري منذ آذار الماضي، وذلك قبل حصوله في تركيا[1] فعلا، حيث قال: وفقا للخبراء، فإن «الأتراك – والجيش التركي – يُقرّون بشكل متزايد في أن أردوغان يدفع بتركيا إلى الهاوية». ويعتقد روبن «أن أردوغان دفع بتركيا للسير في طريق لا يمتلك أي فرصة للفوز، مع احتمال عالٍ للتقسيم الفعلي». وقد أضاف روبن قائلاً: «إذا تحرك الجيش التركي للإطاحة بأردوغان، فمن المشكوك فيه أن تقوم إدارة أوباما بأكثر من توبيخ قادة الانقلاب، ولا سيما إذا كانوا سيضعون البلاد على الفور على مسار واضح لاستعادة الديمقراطية. فلا تركيا ولا اليونان فقدت عضويتها في حلف شمال الأطلسي بعد الانقلابات».

وقد كتب “ديون نيسينباوم” – خبير الأمن القومي الأمريكي، والذي يستقر في واشنطن – في مقاله الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، قائلا: «إن استعادة نفوذ الجيش التركي قد بعث المخاوف لدى كافة مفاصل الدولة وصولا إلى القصر الرئاسي، حيث يحاول الجنرالات إسقاط أردوغان الذي شن حملة واسعة النطاق ضد المعارضة المحلية، وهذا ما أثار قلقا في العواصم الغربية، وفقا لأشخاص مطلعين على الأمر».

في الواقع، لقد كان الجيش التركي ولمدة طويلة ينظر لنفسه على أنه «الوصي على الديمقراطية التركية»، والمسؤول عن الحفاظ على الدولة العلمانية التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة. وقد تدخل في السياسة التركية بشكل مباشر ثلاث مرات في الأعوام (1960 و 1971 و 1980). أما في العام 1997، فقد نفذ الجيش ما وصفه بعض العلماء بأنه «انقلاب ما بعد الحداثة». حيث أصدر الجيش في ذلك الوقت سلسلة من «التوصيات»، التي جردت الحكومة من الخيارات واضطرتها فقط للقبول. أما الخامس والأخير، فهو المحاولة التي جرت ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو والتي كُتب لها الفشل.

دوافع الإنقلاب العسكري:

هناك شعور واسع غير متماهٍ مع نتائج الانتخابات بأن الرئيس رجب طيب أردوغان هو بالفعل خارج نطاق السيطرة، عبر تضييقه الخناق على المعارضة وسجنه للمعارضين والاستيلاء على الصحف التركية وبنائه القصور على شاكلة السلاطين الطامحين للخلافة، كما أنه كان قد هدد أكثر من مرة بحل المحكمة الدستورية.

محاولة إضعاف قيادة الجيش عبر إصدار الحكومة لقرار فصل القيادة العامة للدرك أو الجندرمة – قوة الشرطة الريفية شبه العسكرية في تركيا – من هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية وضمها إلى وزارة الداخلية. فقد كان هذا القرار عبارة عن محاولة لتعبئة صفوف الدرك مع أنصار حزب العدالة والتنمية لإحداث التوازن مع الجيش.

معارضة القادة العسكريين لتوجهات وخطط أردوغان الاستراتيجية في إنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا وإرسال قوات عسكرية تركية إلى سوريا والعراق.

خلال الأعوام 2008-2011 جرت “محاكمات ايرجينيكون”، وهي سلسلة من جلسات المحاكم رفيعة المستوى تم خلالها اتهام 275 شخصا بالتآمر ضد الحكومة التركية، بينهم ضباط في الجيش وصحفيون ونواب معارضة. حيث زُعم بأنهم جميعا أعضاء في منظمة ايرجينيكون، وهي منظمة سرية علمانية. وقد أسفرت المحاكمات عن أحكام سجن مطولة لغالبية المتهمين. وفي عام 2010، اعتقلت الشرطة التركية مئات من المسؤولين العسكريين الحاليين والسابقين المتهمين بالتآمر للإطاحة بحكومة أردوغان، وأرسلت المئات منهم إلى السجن، غير أن القضايا انهارت في نهاية المطاف.

وأضاف «انقلاب القصر/2016» امتعاضا آخر. فبعد قرار رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بالتنحي عن التنافس على السلطة ضد أردوغان بعد اجتماع الحزب الاستثنائي يوم 22 مايو وعدم الترشح للمنصب مرة أخرى، جعل منتقدي أردوغان يصفونه بأنه «انقلاب القصر» الذي من شأنه أن يتيح للرئيس توطيد وتركيز سلطته.

استشراء الفساد. على سبيل المثال، كُتِبَ بأن “بلال”– ابن الرئيس أردوغان – كان قد فرّ إلى إيطاليا بجواز سفر دبلوماسي سعودي مزور، وقد أغلقت الشرطة الإيطالية الموضوع بعد فضيحة غسل الأموال المزعومة.

ونفس الأمر ينطبق على الصحافة. فقد أيّد الكثير من الأتراك أردوغان في عدائه للجيشفي بادئ الأمر واعتقدوا بأن التزامه بالإصلاح كان حقيقيا. ومع ذلك، سرعان ما تأكدوا بأن أردوغان لم يسع إلى وجود صحافة حرة؛ إذ أصبح حتى الانتقاد البسيط يمكن أن يعني مشكلة قانونية. إن تركيا اليوم لديها أكثر نسبة للصحفيين ممن يقبعون داخل السجون عند المقارنة مع أي دولة أخرى.

عانت سياسته اتجاه المسألة الكردية من نفس السخرية. فقد وجد الأكراد الأمل في وعود أردوغان بحل المظالم التي عانوا منها لعقود طويلة، حتى أنه بدأ مفاوضات سرية مع عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني المحظور (PKK). غير أن وعود أردوغان كانت تتراجع بعد كل انتخابات. ومع ذلك، وعندما استجاب الأتراك ذوي الأصول الكردية بالتصويت لحزب الشعب الديمقراطي (HDP)، وهو حزب عرقي بأغلبية ساحقة بدلا من حزب العدالة والتنمية، التف عليهم بكل ما يمتلك من أدوات الانتقام.

ومع ذلك، فقد تتعلق المشكلة الأكبر بسياسة أردوغان الخارجية. فقد وعد “بتصفير المشاكل مع الجيران”، غير أنه وعلى أرض الواقع أزّم علاقات تركيا مع كل جيرانها تقريبا. ومن بين المخرجات السريعة لهذا التأزيم، هو تضرر الاقتصاد والسياحة التركية. بينما المخرجات البطيئة لهذا التأزيم تنذر بالخطر ما لم يتم اعتماد سياسة خارجية تسعى إلى حل المشاكل الخارجية مع البيئة المحيطة بتركيا بشكل حقيقي.

إن موجة الإرهاب الأخيرة قد تكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد عزز أردوغان الطائفية في عموم المنطقة، كما أن عداءه الشخصي اتجاه كل من أكراد سوريا ونظام بشار الأسد أدى به إلى رؤية الجماعات المتطرفة داخل سوريا مثل جبهة النصرة، وحتى تنظيم “الدولة الإسلامية”، كأدوات مفيدة!!

إن الهجمات الانتحارية المتكررة في أنقرة واسطنبول، أقنعت العديد من الأتراك بأن الأمن والسلام اللذين وعد بهما أردوغان ليسا سوى وهم في ظل سياسته الخارجية الراهنة.

إن المسألة ليست مجرد تدهور الأمن وسط موجة من الإرهاب. إن مشاكل الاقتصاد التركي طفحت إلى السطح،فديون القطاع الخاص هي خارجة عن السيطرة، وقطاع السياحة في تراجع مستمر وكأنه سقط سقوطا حرا، وانخفاض قيمة العملة قد أثر على القوة الشرائية لكافة المواطنين؛ بسبب زيادة الضغوط على البنك المركزي والعواصف السياسية، ومعدل النمو السنوي في تركيا المتباطئ فعلا.

لقد أدّت احتجاجات العام 2013، واتهامات الحكومة بالفساد، والانتخابات الرئاسية للعام 2014، واثنان من الانتخابات العامة في عام 2015، إلى وضع الاقتصاد التركي تحت الضغط. فبعد أن كان معدل النمو السنوي في تركيا منذ مايقارب الـ 50 عاما هو بمتوسط 4.5٪، نجده في السنوات الأربع الماضية تراجع إلى 3٪، وقد حذّر الاقتصاديون من التأخر في الإصلاحات الهيكلية، إذ إن رؤية أردوغان الاقتصادية قد تدفع إلى معدلات نمو أقل، وهو ما خلق أزمة. وفي هذا الصدد يقول “كامل يلماز” أستاذ الاقتصاد في جامعة كوتش: «لقد تباطأ الاقتصاد في تركيا لعدم تنفيذ إصلاحات هيكلية؛ بسبب التطورات السياسية في السنوات الثلاث الماضية. وإن المزيد من تباطؤ الاقتصاد أمر لا مفر منه في ظل هذه الظروف»[2].

الخلاصة:

إن الذين خططوا للانقلاب يُفترض أنهم اعتقدوا أنهم يقومون بإنقاذ تركيا من القيادة المؤدلجة الخارجة عن السيطرة. فقد وعد أردوغان بأنه سيحكم باسم جميع الأتراك ونيابة عنهم، ولكنه – بشكل متزايد – لم يفعل ذلك. وكان أيضا قد وعد بإصلاح الاقتصاد، غير أن الفساد مستشرٍ والعملة مهزوزة والركود الاقتصادي يلوح في الأفق. وكذلك وعد بتحقيق السلام، ولكن سياساته العدائية عزلت تركيا في منطقة الشرق الأوسط وفصلتها عن الغرب أيضا. ووعد ببسط الأمن، إلا أن مخاوف الأتراك في تزايد جراء التفجيرات الأخيرة، والتي ينظرون إليها بأنها ليست سوى غيض من فيض. وهكذا – وفي الوقت نفسه – يبدو أن مدبري الانقلاب العسكري الأخير كانوا يعتقدون بأن استمرار أردوغان بتركيز السلطة جعل الانقلاب المسلح هو فرصتهم الأخيرة.


[1]http://europe.newsweek.com/will-there-be-coup-against-erdogan-turkey-439181?rm=eu

[2]http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/05/turkey-ambiguity-around-economy-creates-concern.html

لمزيد من المعلومات حول الموضوع يرجى مراجعة الرابط التالي :

دوافع الانقلاب العسكري في تركيا